وُلِدَ في السابع عشر من أبريل 2026م، وبينما كانت أضواء الاجتماعات الربيعية لصندوق النقد والبنك الدوليين تتهيأ للانطفاء في واشنطن، توافقٌ لا يُقاس بحجمه الورقي، بل بثقله الرمزي والمؤسسي: مبادئ الدرعية التوجيهية لإصلاح الحصص والحوكمة في صندوق النقد الدولي. توافقٌ اعتمده أعضاء اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية بالإجماع، ووُصف في الإحاطة الصحفية الختامية بأنه من أكثر مسارات إصلاح الصندوق إنصافاً منذ أكثر من خمسة عشر عاماً؛ مسجلاً بذلك اختراقاً هادئاً في أحد أعقد ملفات بريتون وودز، بعد ما يقارب عقدين من الجمود في سؤال الحوكمة والتمثيل وعدالة الصوت داخل المؤسسة المالية الأهم في العالم. اكتسب هذا التوافق وزنه من طبيعة الملف ذاته. فالحصص في صندوق النقد لا تمثل أرقاماً محاسبية أو مساهمات مالية فحسب؛ إنها تحدد مقدار مساهمة الدول في موارد الصندوق، وقوتها التصويتية، وحدود وصولها إلى التمويل، ونصيبها من أي توزيع عام لحقوق السحب الخاصة. ومن هنا، فإن أي نقاش حول إصلاح الحصص هو نقاش حول ميزان النفوذ داخل النظام النقدي الدولي، وحول قدرة الدول على التأثير في قواعد الإنقاذ المالي العالمي وقت الأزمات. حمل اسم الدرعية في هذا السياق دلالة تتجاوز الرمز الوطني إلى المعنى المؤسسي. فالدرعية، التي ارتبطت ببدايات الدولة السعودية وذاكرتها السياسية، حضرت هذه المرة في قلب نقاش عالمي حول مستقبل الشرعية المالية الدولية: من يملك الصوت؟ ومن يستحق تمثيلاً أكبر؟ وكيف تُعاد مواءمة القوة داخل صندوق يمثّل مركز شبكة الأمان المالي العالمية في زمن تتبدل فيه موازين الاقتصاد والسياسة معاً؟
نشأ هذا المسار من الدرعية قبل أن يكتمل في واشنطن. ففي السادس والسابع من أبريل 2025م، اجتمع نواب اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية في الدرعية التاريخية بالمملكة، وانتهى ذلك الاجتماع إلى إعلان الدرعية، الذي دعا المجلس التنفيذي لصندوق النقد إلى تطوير مجموعة من المبادئ العامة بحلول اجتماعات ربيع 2026م، لتوجيه النقاشات المقبلة بشأن إصلاح الحصص والحوكمة، ولا سيما ضمن المراجعة العامة السابعة عشر للحصص. تحوّل ما بدأ إعلاناً عاماً إلى وثيقة مؤسسية منشورة. ففي 30 أبريل 2026م، نشر صندوق النقد الدولي مبادئ الدرعية التوجيهية لإصلاح الحصص والحوكمة كورقة سياسات رسمية ضمن سلسلة أوراقه لعام 2026م، بما جعل الاسم السعودي جزءاً من السجل المؤسسي للصندوق، ومرجعاً قائماً في مسار إصلاح الحوكمة لا مجرد عنوان سياسي في بيان عابر.
قاد معالي وزير المالية الأستاذ محمد الجدعان، بصفته رئيس اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية، لحظة توافق دقيقة في ظرف دولي شديد الاضطراب. وقد ثمّنت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا قيادته لمسار جمع عضوية الصندوق البالغة (191) عضواً حول روح التعاون والثقة، مؤكدة أن مبادئ الدرعية عكست قدرة الرئاسة السعودية على تقريب المواقف داخل مؤسسة تتقاطع فيها مصالح الاقتصادات المتقدمة والناشئة والنامية.
أرست مبادئ الدرعية ثمانية مرتكزات يمكن قراءة جوهرها في خمسة تحولات كبرى: بقاء الصندوق مؤسسة قوية قائمة على نظام الحصص، وتعزيز شرعيته وفعاليته وتمثيله، وجعل إصلاحات الحصص واقعية ومتدرجة وشفافة وشاملة، ومواءمة الحصص بصورة أفضل مع الأوزان النسبية للدول في الاقتصاد العالمي مع حماية حصص أفقر الأعضاء، وتأكيد أن اختيار المدير العام للصندوق ينبغي أن يستند إلى إجراءات مفتوحة وشاملة وقائمة على الجدارة والشفافية.
كسر البند الخاص باختيار المدير العام للصندوق واحداً من أكثر الأعراف غير المكتوبة حساسية في تاريخ المؤسسات المالية الدولية. فهو لا يغيّر وحده ميزان القيادة داخل الصندوق، ولا ينهي تلقائياً التقاليد السياسية المتراكمة منذ 1945م، لكنه يضع لغة مؤسسية صريحة تجعل الجدارة والشفافية والشمول معياراً مرجعياً لا يمكن تجاوزه بسهولة في أي نقاش مستقبلي حول قيادة المؤسسة.
ثبّت هذا المسار موقع المملكة وسيطاً موثوقاً بين الشمال الاقتصادي والجنوب العالمي. فقد نجحت (الرياض) في إدارة ملف لا يقوم على المجاملات الدبلوماسية، بل على مصالح تصويتية ومالية دقيقة، حيث تتباين أولويات الولايات المتحدة وأوروبا والاقتصادات الناشئة والدول منخفضة الدخل. ومن هنا تتضح القيمة الاستراتيجية للمبادئ: تحويل ملف خلافي طويل إلى أرضية مشتركة قابلة للبناء عليها.
ترجمت المملكة هذا الحضور السياسي إلى التزام مالي ومؤسسي ملموس. فقد أكد صندوق النقد في مايو 2026م أن شراكة تنمية القدرات بين المملكة والصندوق، التي بدأت في عام 2024م، تبلغ (279) مليون دولار، على مدى (10) سنوات، بما يجعل المملكة ثالث أكبر شريك في عمل الصندوق لتنمية القدرات. كما أسهم المكتب الإقليمي للصندوق في الرياض، ضمن هذه الشراكة، في تنفيذ (31) نشاطاً استهدف أكثر من (800) مشارك خلال السنة المالية 2026م في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وخارجها.
عزّز بيان معالي محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، أمام اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية هذا المعنى المؤسسي، إذ وصف التوافق على مبادئ الدرعية بأنه محطة تاريخية في مسار إصلاح حوكمة الصندوق بعد ما يقارب عقدين من التعثر، مؤكداً أنها تجمع بين الواقعية والطموح وتوفر نقطة انطلاق مشتركة للأعضاء للمضي قدماً.
أضاءت بعض التحليلات الصحفية الدولية جانباً مهماً من هذا المسار، حين أشارت صحيفة (ThisDay) إلى أن سعادة الدكتور رياض الخريف، بصفته وكيلاً لمعالي رئيس اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية، اضطلع بدور مهم في الدفع باللغة الإصلاحية المرتبطة باختيار قيادة الصندوق، مستندة في ذلك إلى خبرته السابقة داخل صندوق النقد ومعرفته المؤسسية بآليات الحوكمة وهيكل المساهمة. وتتمثل قيمة هذه الإشارة في أنها تبرز حضور الكفاءات السعودية في المفاوضات الفنية، لا بوصفها حضوراً بروتوكولياً، بل كجزء من صناعة اللغة التي تتحول لاحقاً إلى مرجعية دولية.
بقيت الحقيقة الأهم أن مبادئ الدرعية لا تمثل إصلاحاً تنفيذياً مكتملاً، ولا تعديلاً فورياً في الأوزان التصويتية، وإنما وثيقة توجيهية ستُختبر قيمتها في المحطات المقبلة، خصوصاً عند الدخول في تفاصيل المراجعة العامة السابعة عشر للحصص وصياغة معادلات التمثيل الفعلية. غير أن الوثائق الكبرى في التاريخ المؤسسي تبدأ غالباً باللغة التي تجعل الإصلاح ممكناً، ثم تتحول لاحقاً إلى قواعد عندما تنضج الموازين السياسية والاقتصادية.
أثبتت الدرعية هنا أنها منصة سعودية لإنتاج التوافق الدولي. فمن المكان الذي ارتبط ببدايات الدولة السعودية، خرجت مبادئ باتت جزءاً من ذاكرة إصلاح النظام المالي العالمي. ومن الرياض إلى واشنطن، انتقلت المملكة من موقع المشاركة في النقاش إلى موقع صياغة المرجعية التي سيعود إليها الأعضاء عند اختبار الإصلاح الحقيقي في الصندوق.
اختصرت مبادئ الدرعية الرسالة السعودية الأوسع في النظام الدولي الجديد: أن المملكة لا تتحرك فقط كاقتصاد صاعد داخل المؤسسات القائمة، وإنما كشريك في تحسين قواعد هذه المؤسسات نفسها؛ من الطاقة إلى التمويل، ومن الاستقرار الإقليمي إلى حوكمة النظام النقدي العالمي. وفي عالم تتراجع فيه الثقة بالتعددية، وتتصاعد فيه مطالب إعادة توزيع النفوذ، قد يكون أعظم ما فعلته الدرعية أنها أعادت فتح السؤال الذي طال تأجيله: كيف يصبح النظام المالي الدولي أكثر عدالة، وأكثر تمثيلاً، وأكثر قدرة على الصمود؟
خاص_الفابيتا


