من الاعتماد على النفط إلى الابتكار لتحقيق اقتصاد سعودي مستدام

24/05/2026 0
د. عبدالله بن عبدالرحيم المير

تُعد رحلة تطوير الاقتصاد السعودي، وتنويع مصادر الدخل أحد أبرز قصص التحوّل الاقتصادي في الشرق الأوسط، بل وفي الدول النامية المعتمدة على الموارد الطبيعية. مثّلت المملكة العربية السعودية نموذجاً كلاسيكياً للاقتصاد النفطي من خلال بداية تشكُّل الاقتصاد الحديث بداية سبعينات القرن الماضي، وارتفاع أسعار النفط حينها من 2$ إلى 11$ مما زاد من نمو الاقتصاد بشكل متسارع. خلال تلك السنوات كان الإنفاق الحكومي والقطاع الخاص يزداد مع ارتفاع أسعار النفط، وينخفض مع انخفاض الأسعار. على الرغم من تقلبات أسعار النفط خلال العقود السابقة، حقق الاقتصاد السعودي نجاحات هائلة في التعليم، والصحة، والبنية التحتية والبتروكيماويات، والطاقة، وغيرها من القطاعات الحيوية للتنمية الاقتصادية. لكن كما هو معلوم في عالم النفط أن أسعار النفط شديدة التغيُّر، وهذا كان ومازال تحدياً لإدارة الاقتصاد المحلي، وخير دليل على ذلك انخفاض إيرادات الحكومة من تقريباً 1 تريليون ريال في عام 2013 إلى النصف تقريباً في عام 2015م.

ورب ضارة نافعة، نشأت "رؤية المملكة 2030" في أواخر عام 2016 والتي تهدف إلى نقل البلاد من الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للدخل إلى اقتصاد متعدد المصادر (Diversified Economy). نقترح في هذا المقال أن يكون التركيز في التحوّل الاقتصادي من خلال الاعتماد على المعرفة والابتكار. تتجلى طموحات رؤية المملكة في مستهدفات دقيقة، تسعى من خلالها الحكومة إلى رفع مساهمة القطاع غير النفطي في الناتج المحلي الإجمالي من 18.7% إلى 50%، بالإضافة إلى تعزيز تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر لتصل إلى 5.7% من الناتج المحلي. ولتحقيق هذه الغايات، أطلقت المملكة منظومة متكاملة من المبادرات والمؤسسات، مثل هيئة المدن، والمناطق الاقتصادية الخاصة التي تركز على الصناعات التحويلية، وبناء السفن وعدة قطاعات أخرى. كذلك تم إطلاق استثمارات ضخمة في قطاعات واعدة مثل شركة هيوماين (Humain) والتي سوف تدعم قطاع البيانات، والذكاء الاصطناعي، وترسخ موقع المملكة في هذا المجال الناشئ وشركة سير (Ceer) للسيارات الكهربائية. 

يشكّل التحول نحو "اقتصاد المعرفة" حجر الزاوية في استراتيجية رؤية المملكة 2030، حيث يتم التركيز على رأس المال البشري والابتكار لتعزيز الإنتاجية. يسهم علم الاقتصاد في التأكيد على هذا الاتجاه، فبخلاف الموارد التقليدية مثل النفط التي تتسم بالنضوب ومحدودية الاستخدام، فإن المعرفة والأفكار تعد سلعاً غير ناضبة، حيث يمكن للجميع الاستفادة منها، وتطويرها من دون أن تنفد، مما يخلق بيئة خصبة لنمو القطاعات غير النفطية. على سبيل المثال كلما زاد عدد الأشخاص الذين يستخدمون لغة البرمجة (Java) ويصممون ويطوون أحدث إصدارات من جهاز آيفون، فإن الابتكار يستمر في الازدهار بدلاً من التضاؤل. والركيزة الأساسية لاقتصاد المعرفة هي الإنتاج العلمي، ليس من حيث العدد بل من حيث الجودة أيضاً. قد أظهرت الإحصائيات تقدماً ملموساً في الإنتاج العلمي في المملكة، إذ قفز عدد المنشورات العلمية من 24 ألفاً في عام 2018 إلى أكثر من 59 ألفاً في عام 2022، مع زيادة في الإنفاق على البحث، والتطوير الذي بلغ حوالي 14.5 مليار ريال في عام 2021، موزعة بين الدعم الحكومي، ومساهمات القطاع الخاص. وفي قلب هذا التحول، تلعب المنشآت الصغيرة والمتوسطة دوراً محورياً بصفتها المحرك الرئيسي للابتكار والتوظيف. فأي بحث أو ابتكار لا يتحوّل إلى سلعة مربحة، قد لا يصبح لها أثر مباشر في نمو الاقتصاد.

على رغم أن الصادرات غير النفطية كانت تشكّل حوالي 17.5% فقط من إجمالي الصادرات، إلا أن التوجه الحكومي يركّز بقوة على الابتكار كوسيلة أساسية لرفع هذه النسبة، وتقليل الارتهان لتقلبات أسواق الطاقة. ولتحقيق ذلك، عملت الحكومة على استثمارات ضخمة في البنية التحتية للابتكار، حيث بلغ الإنفاق الوطني على البحث والتطوير نحو 3.5 مليارات دولار في عام 2021، ساهمت الحكومة بنصفها. كما تم تأسيس هيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار (RDIA) لتركيز الجهود في مجالات حيوية مثل الصحة، والاستدامة البيئية، واقتصادات المستقبل، مع خطط طموحة لزيادة الاستثمار في هذا القطاع عشرة أضعاف ليصل إلى 28 مليار دولار بحلول عام 2040. وتلعب المؤسسات التعليمية السعودية دوراً جوهرياً في تحويل الأفكار البحثية إلى واقع تجاري ملموس، وتبرز جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (KAUST) كقوة دافعة في هذا المجال. فمن خلال منظومة ابتكارية متكاملة، نجحت الجامعة في دعم 346 شركة ناشئة حتى عام 2022، وجمعت رؤوس أموال استثمارية بلغت 145 مليون دولار. ومن الأمثلة البارزة على هذا النجاح شركة الحلول المائية  (Al-Miyah Solutions) التي طورت وحدات متنقلة لمعالجة مياه الصرف الصحي بتقنيات حيوية مبتكرة تتفوق على الطرق التقليدية في التكلفة، وكفاءة الطاقة.

وعلى الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال هناك تحديات تتطلب معالجة مستمرة، لاسيما فيما يتعلق بضعف الروابط بين القطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية والبحثية. فبينما تمتلك المملكة جامعات رائدة مثل جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وجامعة الملك سعود، وجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية، إلا أن نسبة كبيرة من المنشآت الصغيرة والمتوسطة لا تزال تعمل بمعزل عن هذه المراكز العلمية. لذا، تبرز التوصيات بضرورة بناء تحالفات بحثية قوية، وإزالة الحواجز المؤسسية لتعزيز تدفق المعرفة من المختبرات إلى الأسواق. كما أن توفير الدعم المالي مع استمرار الاستثمار في رأس المال البشري، وتفعيل دور الابتكار في القطاع الخاص هما الضمانة الأساسية لتحقيق تنويع اقتصادي حقيقي وشامل يضع المملكة في مصاف الاقتصادات العالمية المتقدمة بإذن الله. 

 

المقالة منشورة في "نشرة الاقتصاد" الصادرة عن جمعية الاقتصاد السعودية، عدد شوال 1447 هـ - مارس 2026.