لزيادة جودة وشمولية الخدمات العامة والسلع والبنى التحتية في السعودية، ورفع كفاءة إدارة الأصول وتشغيلها، وتمكين القطاع الخاص من النمو المستدام، وتعزيز دوره في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتقليص دور الحكومية التشغيلي في مباشرة تقديم الخدمات العامة، بالإضافة إلى توسيع نطاق مشاركة المواطنين في ملكية الأصول الحكومية، انبثق عن رؤية المملكة 2030 البرنامج الوطني للتخصيص.
ويمكن إيجاز منجزاته منذ إطلاقه في 2018 حتى إغلاقه نهاية 2025 في الآتي: اعتماد نظام التخصيص ولائحته التنفيذية وأطره وأدواته النظامية، تأسيس وتمكين المركز الوطني للتخصيص، تهيئة فرص التخصيص، وقد ترتب على ذلك: تخصيص 12 أصل حكومي، وتوقيع 90 عقد شراكة ما بين القطاعين العام والخاص بإجمالي استثمارات بلغت 180 مليار ريال من القطاع الخاص، أسهمت في تحسين كفاءة الإنفاق الحكومي بقيمة 20 مليار ريال، وتوجت منجزات البرنامج بإطلاق الاستراتيجية الوطنية للتخصيص التي دخلت التنفيذ اعتباراً من الخميس 10 شعبان 1447هـ الموافق 29 يناير 2026م.
أوضح نظام التخصيص "الشراكة بين القطاعين العام والخاص" بأنه ترتيب تعاقدي مرتبط بالبنية التحتية أو الخدمة العامة ينتج عنه علاقة بين الحكومة والطرف الخاص، يؤدي بموجبه الطرف الخاص أعمالاً تشمل اثنين أو أكثر مما يأتي: تصميم الأصول أو تشييدها أو إدارتها أو تشغيلها أو صيانتها أو تمويلها، سواء كانت الأصول مملوكة لأحدهما أو لكليهما. فيما جاء مفهوم "نقل ملكية الأصول" بكونه ترتيب تعاقدي مرتبط بالبنية التحتية، أو الخدمات العامة، ينتج عنه نقل ملكية أي من الأصول من جهة حكومية إلى الطرف الخاص، وتلخص مفهوم "التخصيص" وفق النظام في: الشراكة بين القطاعين العام والخاص أو نقل ملكية الأصول.
على الفجوات التي تكتنف مهمة تقدير قيمة أصول الأوقاف ووحدات القطاع غير الربحي، وإسهامها الاقتصادي والاجتماعي، قُدر قيمة إنفاق القطاع في 2025 بأكثر من 100 مليار ريال، تعادل بحسب "تقرير آفاق القطاع غير الربحي" 3,3% من الناتج المحلي الإجمالي. فيما تقدر قيمة أصول نحو 115 ألف وقف في السعودية بأكثر من 340 مليار ريال موزعة على القطاعين: المالي، والعقاري.
تشترك الأوقاف ووحدات القطاع غير الربحي مع القطاع الخاص في عملية الاستثمار لتحقيق العوائد؛ فيما تتفرد الأوقاف ومنظمات القطاع غير الربحي باستيعاب قيم ومستهدفات تتجاوز تعظيم الأرباح، لتشمل إلى جانب ذلك: تحقيق الأثر الاجتماعي، والإسهام في التنمية الوطنية. وعند مقارنة منطلقات الاستثمار في القطاعين: الخاص، وغير الربحي، نجد أن طبيعة الأوقاف ومنظمات القطاع غير الربحي، قادرة على تحقيق قيمة مضافة لتحقيق مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للتخصيص مقارنة بالقطاع الخاص، وذلك لجملة من العوامل منها:
1.ارتباط طيف واسع من فرص التخصيص ذات الأولوية العالية المعلن عنها ضمن الاستراتيجية، مع مجال عمل الأوقاف والقطاع غير الربحي، سواء عبر مباشرة القطاع تقديم تلك الخدمات، أو العناية بدعمها وتطويرها: قطاعي التعليم والحج والعمرة أنموذجاً.
2.العوائد التي ستحققها الأوقاف ومنظمات القطاع غير الربحي من فرص التخصيص سيعاد توجيهها للصالح العام؛ مما يجعل القطاع محققاً لقيمة مضافة في عمليتي: الاستثمار، وإعادة توظيف العوائد في خدمة المجتمع.
3.طبيعة الأوقاف تؤهلها لأن تؤدي دوراً إيجابياً في النمو الاقتصادي الشامل، من خلال التحفز للفرص في المواقع الطرفية والناشئة أو الفرص والمجالات التي تتطلب استثمارات كبيرة وطويلة الأجل مما لا يتحفز لها القطاع الخاص.
4.الأوقاف والقطاع غير الربحي تؤدي دوراً إيجابيا في تحقيق عدالة توزيع الثروة بين الجيل الواحد دون تحيز فئوي أو مناطقي، كما تسهم الأوقاف في تحقيق عدالة التوزيع بين الأجيال المتعاقبة أيضاً فلا يستأثر جيل بنصيب الأجيال القادمة.
تحفز المقالة التأمل في استحداث لجنة تضم ممثلي: المركز الوطني للتخصيص، المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي، الهيئة العامة للأوقاف، الأوقاف الكبيرة، المؤسسات الأهلية، وغيرها من الجهات ذات الصلة؛ للتباحث حول فرص تصميم الممكنات والحوافز والآليات الملائمة لتعزيز دور الأوقاف والقطاع غير الربحي في تحقيق مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للتخصيص، كما توصي المقالة بتشجيع الإثراء حول الموضوع، عبر تنظيم المحافل العلمية، وإصدار المنتجات المعرفية، وإعداد البحوث والدراسات المرتبطة بالموضوع من مختلف التخصصات ذات الصلة. إن الأوقاف والقطاع غير الربحي شريك رئيس في التنمية، والتخصيص (أو الخصخصة) تٌعد مساحة زاخرة بفرص الاستثمار الاجتماعي المسؤول.
المقالة منشورة في "نشرة الاقتصاد" الصادرة عن جمعية الاقتصاد السعودية، عدد شوال 1447 هـ - مارس 2026.


