كيف أعادت الحرب تشكيل أرباح الشركات السعودية؟

14/05/2026 0
محمود رضوان

بينما انشغل العالم خلال الأشهر الماضية بتداعيات الحرب على أسواق الطاقة والملاحة العالمية، كانت النتائج المالية للشركات السعودية تكشف تحولًا أعمق داخل الاقتصاد، حيث أعادت التوترات الجيوسياسية رسم خريطة الأرباح بين القطاعات، وخلقت رابحين مباشرين من ارتفاع أسعار النفط والطاقة، وآخرين استفادوا بصورة غير مباشرة من السيولة والتقلبات، في حين تعرضت قطاعات أخرى لضغوط تشغيلية واستثمارية واضحة.

ورغم التقلبات الحادة التي شهدتها الأسواق العالمية، أظهرت نتائج الشركات السعودية المدرجة قدرة لافتة على التكيف، إذ ارتفعت الأرباح المجمعة للسوق خلال الربع الأول من 2026 بنحو 21.9% لتصل إلى 166.5 مليار ريال، فيما بلغت الأرباح  باستثناء أرامكو السعودية — نحو 46.4 مليار ريال بنمو 13.3%.

المصدر: بيانات أرقام

لكن خلف هذه الأرقام، ظهر تباين واضح بين القطاعات؛ فالحرب لم تخلق موجة صعود جماعية، بل أعادت توزيع الأرباح والسيولة داخل السوق بصورة غير متوازنة.

المصدر: بيانات أرقام

 
النفط والطاقة.. الرابح الأكبر من التوترات
كان قطاع النفط والطاقة المستفيد الأبرز من الحرب، بعدما قفز متوسط أسعار خام برنت خلال مارس إلى مستويات قاربت 120 دولارًا للبرميل في ذروة التوترات، مع تعطل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره أكثر من 20% من النفط المنقول بحرًا.
وفي هذا السياق، سجلت أرامكو السعودية أفضل أداء فصلي لها منذ الربع الثالث 2023، بعدما ارتفع صافي أرباحها بنسبة 26% إلى نحو 120.1 مليار ريال، متجاوزًا توقعات المحللين، فيما ارتفعت الإيرادات 8.8% إلى 467 مليار ريال.
لكن أهمية نتائج أرامكو لم تكن في الأرقام فقط، بل في ما كشفته الأزمة من مرونة تشغيلية عالية، إذ نجحت الشركة في الحفاظ على تدفقات التصدير عبر تشغيل خط أنابيب "شرق-غرب" بطاقته القصوى وتحويل جزء من الصادرات إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، ما خفف من أثر اضطرابات الشحن عبر مضيق هرمز.
كما انعكس ارتفاع أسعار النفط بصورة واضحة على قطاع النفط والغاز، الذي سجل نموًا في الأرباح بنحو 25.4%، فيما قفزت أرباح قطاع الطاقة بأكثر من 135%، مستفيدة من تحسن أسعار الطاقة وزيادة النشاط المرتبط بالخدمات النفطية.
البنوك والتمويل.. المستفيد الهادئ
ورغم أن الحرب عادة ما ترتبط بارتفاع مستويات المخاطر، فإن القطاع المالي السعودي أظهر قدرًا كبيرًا من المرونة، إذ ارتفعت أرباح البنوك بنحو 7.6% خلال الربع الأول، فيما نمت أرباح شركات التمويل بحوالي 14%.
ويعكس هذا الأداء استمرار قوة النشاط الائتماني والسيولة داخل الاقتصاد السعودي، خاصة مع تحسن الإيرادات النفطية للشركات الكبرى، واستمرار الإنفاق الحكومي والمشروعات الضخمة، ما دعم الطلب على التمويل والخدمات المصرفية.
البتروكيماويات.. انتعاش غير متوازن
أما قطاع البتروكيماويات، فقد بدا من أكثر القطاعات تأثرًا بالتقلبات، إذ قفزت الأرباح المجمعة للقطاع بأكثر من 457%، مدعومة بتحول عدد من الشركات من الخسائر إلى الربحية، وتحسن أسعار بعض المنتجات.
لكن قراءة الأرقام بصورة أعمق تكشف أن التحسن لم يكن شاملًا أو متساويًا بين جميع الشركات، فقطاع البتروكيماويات، كان من أكثر القطاعات حساسية للتطورات الجيوسياسية الأخيرة، بعدما أدت اضطرابات الملاحة عبر مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط إلى تغير سريع في توقعات الأسواق تجاه القطاع، خصوصًا بعد فترة طويلة من الضغوط التي عاشتها الصناعة عالميًا خلال 2025 نتيجة فائض المعروض وتباطؤ الطلب الصناعي، خاصة في الصين، التي تعد المحرك الأكبر لنمو الطلب على المنتجات البتروكيماوية.
وخلال الأشهر التي سبقت الحرب، كانت معظم شركات القطاع تواجه بيئة تشغيلية صعبة، مع استمرار ضعف أسعار عدد من المنتجات الأساسية، في وقت ضغطت فيه الطاقة الإنتاجية الجديدة — خصوصًا القادمة من الصين — على الأسعار وهوامش الربح، ما دفع بعض الشركات العالمية إلى خفض الإنتاج أو إعادة هيكلة بعض الأصول والعمليات التشغيلية.
لكن مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وتعطل جزء من الإمدادات وسلاسل الشحن، بدأت الأسواق تتجه إلى إعادة تسعير القطاع سريعًا، مدفوعة بمخاوف نقص المعروض وارتفاع تكاليف النقل والطاقة، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على أداء أسهم شركات البتروكيماويات، التي شهدت موجة صعود قوية خلال الأسابيع الأولى من الحرب، وسط توقعات بتحسن الأسعار وهوامش الربحية.
ورغم ذلك، فإن النتائج المالية للربع الأول أظهرت أن التحسن داخل القطاع لا يزال غير متوازن، وأن القفزة الكبيرة في الأرباح لا تعني بالضرورة دخول الصناعة في دورة انتعاش مكتملة. 
كما أن نتائج سابك تعكس استمرار تعقيد المشهد داخل القطاع؛ إذ لا تزال الأرباح تتأثر بعوامل استثنائية وبنود محاسبية مرتبطة بإعادة الهيكلة وتقييم الأصول، ما يشير إلى أن الشركات ما زالت في مرحلة التكيف مع البيئة الجديدة أكثر من كونها دخلت بالفعل مرحلة نمو مستقرة.
وبصورة أوسع، يبدو أن الحرب منحت القطاع دفعة معنوية وسعرية مهمة بعد فترة طويلة من الضغوط، لكنها لم تُنهِ بعد التحديات الهيكلية التي تواجه صناعة البتروكيماويات عالميًا، وفي مقدمتها فائض الطاقة الإنتاجية وضعف الطلب الصناعي العالمي. ولذلك، فإن ما حدث خلال الربع الأول قد يمثل بداية لتحسن تدريجي في القطاع، لكنه لا يكفي حتى الآن للقول إن الصناعة دخلت دورة صعود جديدة بصورة كاملة.
القطاعات الدفاعية.. استقرار وسط التقلبات
في المقابل، أظهرت بعض القطاعات ذات الطبيعة الدفاعية قدرة واضحة على الحفاظ على نمو الأرباح رغم التوترات الجيوسياسية، حيث ارتفعت أرباح قطاع الاتصالات بنحو 6%، فيما نمت أرباح الأغذية والمشروبات بأكثر من 14%، وارتفعت أرباح التأمين بنحو 27%، إلى جانب نمو قوي في قطاع التقنية تجاوز 21%.
ويعكس أداء قطاع التأمين بصورة خاصة أحد أهم الآثار غير المباشرة للحرب، إذ أدت التوترات الجيوسياسية واضطرابات الملاحة في المنطقة إلى إعادة تسعير المخاطر عالميًا، ما تسبب في ارتفاع كبير في أسعار التأمين والخدمات اللوجستية المرتبطة بالتجارة والطاقة، وتبرز شركة البحري كأحد أبرز المستفيدين من هذه التحولات، بعدما قفزت أرباحها إلى نحو 2.15 مليار ريال، مقارنة بـ533 مليون ريال في الفترة نفسها من العام الماضي، مدفوعة بارتفاع أسعار النقل العالمية وزيادة العمليات التشغيلية، خاصة في قطاع نقل النفط والكيماويات.
وأظهرت نتائج الشركة أن قطاع نقل النفط كان المحرك الأكبر للنمو، بعدما ارتفعت إيراداته بنحو 2.6 مليار ريال، إلى جانب نمو إيرادات قطاع نقل الكيماويات بأكثر من 100 مليون ريال، مستفيدًا من ارتفاع أسعار الشحن وزيادة الطلب على الناقلات وسط اضطراب سلاسل الإمداد العالمية.
وتعكس نتائج القطاع بصورة أوسع أن بعض الشركات السعودية تحولت خلال الأزمة من مجرد متأثر بالأحداث الجيوسياسية إلى مستفيد مباشر من اضطراب التجارة العالمية، خصوصًا الشركات المرتبطة بالطاقة والخدمات اللوجستية والنقل البحري، التي استفادت من ارتفاع الأسعار العالمية وإعادة توزيع مسارات الإمداد والشحن.
ضغوط واضحة
في الجهة المقابلة، تعرضت بعض القطاعات لضغوط ملحوظة خلال الربع الأول، إذ تراجعت أرباح قطاع العقارات بأكثر من 30%، كما تراجعت أرباح قطاعات الرعاية الصحية والأسمنت والتجارة والتجزئة، في وقت تحولت فيه بعض شركات الزراعة إلى الخسائر.
ويبرز التباين بين قطاعي الأسمنت والعقارات كأحد أوضح الأمثلة على اختلاف تأثير الحرب بين القطاعات، فرغم أن شركات الأسمنت لا تزال تواجه ضغوطًا هيكلية مرتبطة بشدة المنافسة وفائض المعروض داخل السوق المحلية، فإن أرباح القطاع تراجعت بوتيرة محدودة نسبيًا بلغت نحو 6% فقط خلال الربع الأول، مستفيدة من استمرار الإنفاق على مشاريع البنية التحتية والمشروعات الكبرى، ما حافظ على مستويات الطلب التشغيلي.
في المقابل، بدا تأثير الحرب أكثر وضوحًا على القطاع العقاري، الذي تراجعت أرباحه بأكثر من 30%، لكن قراءة النتائج بصورة تفصيلية تكشف أيضا أن جزءًا من هذا الانخفاض يعود إلى تأثير البنود الاستثنائية في فترة المقارنة، وليس فقط إلى ضعف النشاط التشغيلي.
ومع ذلك، يبقى القطاع العقاري من أكثر القطاعات حساسية تجاه مستويات السيولة وثقة المستثمرين وتكلفة التمويل، وهي عوامل تأثرت بصورة واضحة خلال فترة التوترات الجيوسياسية، ما دفع المستثمرين إلى تبني قدر أكبر من الحذر تجاه الأنشطة المرتبطة بالنمو والتوسع طويل الأجل.
ورغم أن هذه القطاعات لم تتضرر بشكل مباشر من الحرب، فإن ارتفاع مستويات الحذر الاستثماري، وزيادة تكلفة التمويل، وتباطؤ شهية المخاطرة، لعبت دورًا في الضغط على الأداء المالي لبعض الشركات.
السوق السعودي.. أكثر قدرة على التكيف
وتكشف نتائج الربع الأول مفارقة لافتة؛ فرغم اندلاع الحرب وما صاحبها من اضطرابات حادة في الطاقة والشحن والأسواق العالمية، لم يدخل السوق السعودي في موجة انهيار واسعة كما حدث في أزمات سابقة.
فقبل اندلاع الحرب، أغلق مؤشر تاسي في جلسة 27 فبراير عند مستوى 10709 نقاط، لكنه عاد بعد نحو شهرين ونصف ليتداول فوق مستوى 11 ألف نقطة، في إشارة إلى تغير طريقة تعامل المستثمرين مع الصدمات الجيوسياسية، كما أن السعودية تمتلك القدرة اللوجستية على الالتفاف حول تعطل مضيق هرمز عبر خط شرق-غرب، ما خفف من المخاطر التشغيلية مقارنة بدول أخرى.
ويبدو أن السوق السعودي أصبح أكثر تركيزًا على استدامة الأرباح والتدفقات النقدية وقوة الاقتصاد المحلي، بدلًا من ردود الفعل العاطفية قصيرة الأجل التي كانت تهيمن على فترات التوتر في السابق.
وفي النهاية، تكشف نتائج الشركات السعودية أن الحرب لم تكن مجرد حدث سياسي انعكس على أسعار النفط، بل كانت عاملًا أعاد توزيع الأرباح والسيولة داخل السوق، حيث استفادت قطاعات الطاقة والتمويل من ارتفاع الأسعار والنشاط الاقتصادي، بينما واجهت قطاعات أخرى ضغوطًا تشغيلية واستثمارية واضحة، في وقت بدا فيه الاقتصاد السعودي أكثر قدرة على امتصاص الصدمات مقارنة بالماضي.
 
خاص_الفابيتا