منذ إنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية في 25 مايو 1981م، ودول المجلس تواصل تحقيق الإنجازات والمكتسبات المشتركة واحدة تلو الأخرى، والتي أسهمت بفاعلية في تعزيز مسيرة التنمية والازدهار لشعوبها، حيث امتدت آثار هذه المنجزات لتشمل مختلف مناحي الحياة الاقتصادية والتنموية والثقافية والاجتماعية والصحية والتعليمية وغيرها من المجالات الحيوية، وقد عَكست هذه المكتسبات نجاح الرؤية الخليجية القائمة على التعاون والتكامل ووحدة المصير، وأسهمت في ترسيخ مكانة دول المجلس إقليميًا ودوليًا كنموذج فاعل للعمل المشترك والتنمية المستدامة.
جسّد ملتقى “المكتسبات الخليجية” تحت شعار “واقع يتجدد.. ورؤى تتحدث”، الذي نظمه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج بالتعاون مع الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، ما حققته دول الخليج من منجزات تنموية وحضارية، وعكس عمق الروابط والتكامل بين دول المجلس عبر أكثر من أربعة عقود من العمل المشترك.
كما وقد شكّل الملتقى منصة فكرية وحوارية عكست عمق الروابط التاريخية والمصالح المشتركة بين دول مجلس التعاون الخليجي، وأبرزت ما تحقق من إنجازات تنموية واقتصادية وثقافية خلال أكثر من أربعة عقود، مؤكداً نجاح التجربة الخليجية في بناء نموذج متكامل من التعاون والتنسيق والعمل المشترك في مختلف المجالات.
وفي ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، تزداد أهمية تسليط الضوء على هذه المكتسبات بوصفها نموذجًا للتكامل والتعاون القائم على وحدة المصير والرؤية المشتركة.
فقد استطاعت دول الخليج العربية، عبر مسيرة ممتدة من التنسيق والعمل المشترك، أن تحقق إنجازات نوعية في مجالات الاقتصاد والطاقة والتعليم والبنية التحتية والتنمية البشرية، إلى جانب تعزيز مكانتها السياسية والإقليمية، ويأتي هذا الملتقى ليؤكد أن المحافظة على هذه المكتسبات لا تقل أهمية عن تحقيقها، من خلال ترسيخ الوعي المجتمعي بقيم التعاون الخليجي، واستشراف آفاق المستقبل بما ينسجم مع تطلعات الشعوب الخليجية نحو مزيد من الاستقرار والازدهار.
ومن هنا، فإن الحديث عن المكتسبات الخليجية ليس استعراضًا للإنجازات فحسب، بل هو تأكيد على أهمية البناء على ما تحقق، وتعزيز الشراكة الخليجية في مواجهة التحديات وصناعة مستقبل أكثر تكاملًا واستدامة.
وفي الجلسة الحوارية الأولى بالملتقى، التي تشرفتُ بإدارتها بعنوان “المكتسبات الخليجية.. ودور مجلس التعاون في الأزمة الحالية”، وبمشاركة أصحاب السعادة مساعدي الأمين العام للمجلس، جرى استعراض أبرز المكتسبات السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية والتنموية التي تحققت في دول المجلس، والمدعومة بمنظومة من الأنظمة والتشريعات المواتية التي أسهمت في تعزيز مسيرة التكامل الخليجي وترسيخ الاستقرار والتنمية المستدامة، وأكدت الجلسة أهمية العمل الخليجي المشترك في مواجهة التحديات الراهنة، وقدرة دول المجلس على توحيد المواقف وتعزيز التنسيق بما يخدم مصالح شعوبها ويحافظ على مكتسباتها الاستراتيجية.
وعلى الصعيد الاقتصادي والتنموي، أبرزت مخرجات الجلسة عدداً من المؤشرات التي تعكس حجم التقدم الذي حققته دول مجلس التعاون خلال السنوات الأخيرة، ومن أبرزها وصول حجم الناتج المحلي الإجمالي لدول المجلس إلى نحو 2.325 تريليون دولار بالأسعار الجارية، محققاً نمواً بنسبة 2.2% مقارنة بعام 2023، فيما بلغ الناتج المحلي للقطاع غير النفطي نحو 1.766 تريليون دولار، بنمو قدره 5.6%، بما يعكس نجاح سياسات التنويع الاقتصادي وتعزيز مساهمة القطاعات غير النفطية في دعم مسيرة التنمية المستدامة بدول المجلس.
وفي مجال التجارة البينية بين دول المجلس، فقد تجاوز حجم التبادل التجاري الخليجي المشترك 146 مليار دولار خلال عام 2024، مسجلاً نموًا بنسبة 9.8% مقارنة بعام 2023، الأمر الذي يعكس تنامي مستوى التكامل الاقتصادي وتعزيز حركة التجارة والاستثمار بين الدول الأعضاء. كما وبلغ حجم التبادل التجاري بين دول مجلس التعاون والعالم الخارجي نحو 1.589 تريليون دولار، محققاً ارتفاعاً بنسبة 7.4% مقارنة بعام 2023، بما يؤكد المكانة الاقتصادية المتنامية لدول المجلس ودورها المحوري في حركة التجارة والاقتصاد العالمي.
وتناولت الجلسة الثانية في الملتقى، بعنوان “دور الإعلام الخليجي في إبراز المكتسبات الخليجية”، بمشاركة نخبة من الصحفيين والصحفيات الخليجيين، عدداً من الرؤى والتجارب الإعلامية الناجحة الهادفة إلى تعزيز حضور المنجزات الخليجية إعلامياً، وإبراز ما تحقق لدول المجلس من مكتسبات تنموية وحضارية في مختلف المجالات. وأكد المشاركون أهمية توفير المعلومات والإحصاءات الدقيقة من الجهات الرسمية بدول المجلس بصورة آنية ومنتظمة، بما يمكّن المؤسسات الإعلامية والصحفية الخليجية من أداء دورها بكفاءة واحترافية، ويعزز من سرعة التفاعل الإعلامي مع الأحداث والقضايا الخليجية.
كما وطُرح خلال الجلسة عدد من المقترحات التطويرية، من أبرزها أهمية إيجاد سردية إعلامية خليجية موحدة تخاطب الداخل الخليجي والعالم الخارجي بلغاته المختلفة وثقافاته المتعددة، بما يعكس الصورة الحقيقية لما تحقق من إنجازات خليجية مشتركة. وفي هذا الإطار، لعلي اقترح إنشاء وكالة أنباء خليجية مشتركة، تُعنى بتزويد وسائل الإعلام والصحافة الخليجية بالأخبار والمعلومات والإحصاءات المتعلقة بالشأن الخليجي ومنجزاته التنموية، بما يسهم في توحيد الرسالة الإعلامية الخليجية، وتعزيز حضورها وتأثيرها على المستويين الإقليمي والدولي.
ختامًا، إن ما تحقق لدول مجلس التعاون خلال أكثر من أربعة عقود لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة رؤية مشتركة وإرادة سياسية آمنت بأهمية التكامل الخليجي ووحدة المصير. واليوم، تبدو الحاجة أكبر إلى تعزيز إبراز هذه المكتسبات إعلاميًا وتوثيقها بسردية خليجية موحدة، بما يحفظ هذا الإرث التنموي ويعزز حضوره لدى الأجيال القادمة والرأي العام العالمي.
نقلا عن الرياض


