لم يعد الذكاء الاصطناعي صناعة خفيفة كما يبدو على الشاشة. خلف كل نموذج لغوي وكل خدمة سحابية تقف أرض واسعة، كهرباء مستقرة، تبريد لا يتوقف، ألياف ضوئية، تمويل طويل الأجل، وتشريعات تمنح المستثمرين يقينا كافيا لبناء أصول لا تسترد كلفتها في أشهر، بل في سنوات. لذلك لم يعد السؤال: من يملك أفضل تطبيق؟ بل من يملك البيئة التي تسمح للتطبيقات بأن تعمل بلا انقطاع؟
هنا تبدو السعودية أمام فرصة مختلفة. الطاقة التي كانت تباع كمنتج نهائي يمكن أن تتحول إلى مدخل إنتاجي لصناعة أعلى هامشا وأكثر التصاقا بالمستقبل. فالميجاوات لا ينتهي عند الاستهلاك، بل يدخل في مركز بيانات، ثم يتحول إلى حوسبة سحابية، تدريب نماذج، تخزين بيانات، وخدمات رقمية عابرة للحدود. وبالمعنى نفسه، لا تعود الأرض مساحة خاما، بل منصة اقتصادية تزداد قيمتها كلما اجتمعت حولها الكهرباء والاتصال والتنظيم.
الأرقام تشرح التحول. جاءت السعودية ثانية عالميا بعد الولايات المتحدة في جاذبية أسواق مراكز البيانات، ويمثل توفر الطاقة وتمكين الأراضي 58% من عناصر الجاذبية. كما ارتفعت السعة التشغيلية في المملكة من 68 ميجاوات في 2021 إلى 440 ميجاوات في 2025، ثم إلى 467 ميجاوات في الربع الأول من 2026، مع أكثر من 60 مركز بيانات، وسوق تقنية تتجاوز 200 مليار ريال، وانتشار إنترنت عالٍ.
لكن هذه الصناعة لا تقوم على التقنية وحدها. مركز البيانات يحتاج إلى عقود طاقة طويلة، قدرة على التبريد، مواقع آمنة، ربطا بالألياف والكابلات البحرية، أمن سيبراني، سيادة بيانات، سرعة ترخيص، وتمويلا قادرا على تحمل الإنفاق الرأسمالي الكبير. هذه الجوانب غير التقنية هي التي تحدد عادة أين تذهب الاستثمارات، لأن الخادم يمكن شراؤه من أي مكان، أما الكهرباء المستقرة، والأرض المناسبة، والتنظيم الواضح، فلا تتوافر بالسهولة نفسها.
عالميا، يتسارع الطلب. وكالة الطاقة الدولية تقدر استهلاك مراكز البيانات بنحو 415 تيراوات/ساعة في 2024، وتتوقع تضاعفه إلى نحو 945 تيراوات/ساعة بحلول 2030، بنمو سنوي يقارب 15%وفي جانب الربحية، تعطي الصناعة إشارات لافتة؛ فهامش EBITDA المعدل لدى Equinix يدور حول 51%، بينما حققت AWS هامش تشغيل نحو 35% في 2025. هذه الأرقام تعني أن القيمة ليست في استهلاك الطاقة، بل في تحويلها إلى منصة تشغيل مرتفعة العائد.
محليا، تتسع دائرة المستفيدين حول السلسلة كلها: stc وموبايلي وزين في الاتصال والبنية الرقمية، سلوشنز وعلم و MIS والعرض المتقن في الحلول والتكامل والتشغيل، والسعودية للكهرباء وأكوا باور في الطاقة والقدرة الكهربائية. وهذا لا يجعل القطاع رهانا تقنيا فقط، بل رهانا صناعيا وخدميا في وقت واحد. ولعل الفارق المهم أن هذه الصناعة تخلق طلبا متكررا، لا صفقة عابرة؛ فكل توسع في الذكاء الاصطناعي يرفع الحاجة إلى طاقة إضافية، وسعات تخزين، وربط أسرع، وخدمات أمنية، وتشغيلية.
ومن هنا يصبح جذب مركز بيانات كبير أشبه بجذب مصنع رقمي مستمر الإنتاج، يشتري الكهرباء، ويستأجر الأرض، ويوظف الخبرات، ويرفع الطلب على الموردين المحليين، ويمنح الاقتصاد قيمة مضافة أبعد من بيع الكيلووات أو تأجير المتر. وهذا بالضبط ما يجعل الصناعة جسرا عملياً بين الطاقة والاقتصاد الرقمي العالمي الجديد.
لذلك فإن جاذبية السعودية ليست في المساحة وحدها ولا الطاقة وحدها، بل في تحويلهما إلى منتج أعلى قيمة. وإذا كان النفط قد منح العالم طاقة الحركة في القرن الماضي، فقد تمنح الكهرباء السعودية الاقتصاد الرقمي طاقة التفكير في المستقبل الرقمي.
نقلا عن الاقتصادية


