يعد النفط شريان الحياة الاقتصادية بل ويمتد أثره إلى كل نواحي الحياة المهمة الأخرى من سياسية واجتماعية وغيرها، وتلعب أسعار النفط دورا بارزا ومؤثرا في الحياة السياسية. فعلى سبيل المثال لا الحصر في عهد الرئيس ترمب عام 2020 تعرضت أسعار النفط لموجة تراجعات قاسية حينما هبطت لمستويات متدنية تزامنا مع جائحة كورونا حيث وصلت لما دون العشرين دولارا للبرميل، ما دفع الرئيس ترمب لمطالبة الدول المنتجة بخفض إنتاجها لدفع الأسعار إلى أعلى في محاولة منه لإنقاذ شركات النفط الأمريكية من الإفلاس، بينما في 2022 عندما ارتفعت أسعار النفط لأعلى من 80 دولارا تدخل الرئيس بايدن مطالبا الدول المنتجة للنفط برفع إنتاجها لكبح جماح الأسعار التي أسهمت برفع أسعار الوقود وبالتالي ارتفاع التضخم في بلاده، مطالبا تارة برفع الإنتاج ومهددا باستخدام المخزون الإستراتيجي لبلاده تارة أخرى، رغم ذلك ارتفعت الأسعار إلى مستويات قياسية عندما تجاوز النفط 130 دولارا للبرميل.
لذلك ليس من المستغرب أن ارتفاع أو انخفاض النفط يستدعي تدخلات سياسية على أعلى المستويات بحكم التبعات التي تتعلق به. وأن الدول المنتجة للنفط تسعى دائما لاستقرار السوق وبالتالي ضبط الأسعار وفقا لمسار يخدم العرض والطلب، وهذا ما تقوم به "أوبك وأوبك بلس" فاتزان الأسعار دون مبالغة بأي الاتجاهين يعني الاستقرار واستمرار الحياة الاقتصادية بشكل سلس ما يظهر على بقية جوانب الحياة، حيث تؤدي المبالغة في الاتجاهات السعرية سواء الصاعدة أو الهابطة إلى تبعات كثيرة لا يرغب بها المنتج والمستهلك على حد سواء على المدى المتوسط والبعيد.
عودا على بدء فإن الأسواق حاليا تتفاعل سلبا عند ارتفاع أسعار النفط وذلك ببساطة لأن ارتفاع أسعار النفط يرفع التكاليف على الشركات ويقلص هامش الربحية لديها وبالتالي تتأثر أسعار أسهمها سلبا بشكل ملحوظ، وذلك يشمل عموم الأسهم باستثناء الشركات المنتجة للنفط، كما أن ارتفاع النفط يسهم برفع التضخم من خلال ارتفاع أسعار الطاقة ما يظهر على ارتفاع تكاليف المعيشة، وبالتالي تتلاشى توقعات خفض الفائدة وتدخل في شبح الزيادة لا الخفض، وهنا يرتفع الدولار "العدو اللدود للأسواق" وهو ما تخشاه الأخيرة بالفعل.
لذلك تبرز متابعة أسعار النفط هذه الفترة وتلقى اهتماما متزايدا من قبل الأسواق والمستثمرين حيث تعد المحرك الرئيسي لحركة الأسواق تليها بالمقام والاهتمام نتائج الشركات التي تتزامن إعلاناتها خلال هذه الأيام مع ظروف اقتصادية استثنائية وكذلك سياسية وعسكرية يشهدها العالم، لذلك كلما هدأت وتيرة ارتفاع النفط شهدت المؤشرات الأمريكية ارتفاعا ملحوظا حيث سجلت في الآونة الأخيرة قمما تاريخية مدعومة من تحسن الأرباح التي فاقت في معظمها متوسط التوقعات، إلا أن النفط وارتفاعه نحو 120 ربما يهدم تلك القمم.
لذلك تشهد الأسواق هذه الفترة تقلبات حادة وفقا لحركة أسعار النفط، وطالما بقي النفط فوق مستويات 100 دولار فالتهديد لا يزال قائما على الأسواق، بل أي ارتفاع فوق مستويات 120 دولارا لخام برنت على سبيل المثال يعني تراجعات قاسية للأسهم حسب نسبة الارتفاعات فوق هذا المستوى، حاليا يتداول خام برنت عند 105 دولارات وهو ما يعد نسبيا أقرب لحاجز الاستقرار.
وبنهاية المطاف فارتفاع النفط الفترة الحالية أعلى من 120 يهدد الأسواق بشكل واضح، وربما يفتح المجال لمستويات تاريخية جديدة.
نقلا عن الاقتصادية


