لماذا تفشل بعض المشاريع رغم توفر الميزانيات؟

07/05/2026 0
د. سعود بن جبير

في كثير من الأحيان، يتم ربط نجاح المشاريع بحجم الميزانية المخصصة لها، وكأن التمويل وحده كفيل بضمان التنفيذ وتحقيق النتائج. لكن الواقع العملي يثبت عكس ذلك تمامًا، هناك مشاريع تملك ميزانيات ضخمة، ودعمًا عاليًا، وفرق عمل كبيرة، ومع ذلك تتعثر أو تتأخر أو تخرج بنتائج أقل بكثير من المتوقع. وفي المقابل، نجد مشاريع أخرى بموارد أقل لكنها تحقق نجاحًا واضحًا بسبب جودة الإدارة وسرعة القرار ووضوح المسؤوليات.

المشكلة الحقيقية غالبًا لا تبدأ من المال، بل من طريقة إدارة المشروع منذ اليوم الأول، بعض المشاريع تبدأ قبل اكتمال الجاهزية الفعلية، أو قبل وضوح نطاق العمل بشكل كافٍ، أو دون وجود تنسيق حقيقي بين الجهات المرتبطة بها. ومع مرور الوقت تبدأ التحديات بالظهور تدريجيًا: تغييرات مستمرة، قرارات متأخرة، اختلاف في الأولويات، واجتماعات كثيرة دون حسم فعلي، ومع أن هذه التحديات تبدو بسيطة في بدايتها، إلا أن أثرها يتضاعف مع الوقت حتى يتحول المشروع إلى حالة استنزاف للوقت والجهد والميزانية.

ومن أكثر الأسباب التي تؤثر على المشاريع الحساسة تحديدًا هو بطء اتخاذ القرار. في بعض الأحيان يكون فريق العمل جاهزًا، والخطط جاهزة، وحتى الحلول واضحة، لكن المشروع يبقى معلقًا بسبب انتظار اعتماد أو موافقة أو تنسيق بين عدة أطراف، في عالم المشاريع، الوقت ليس عنصرًا ثانويًا، التأخير أحيانًا لا يعني فقط تأخير الجدول الزمني، بل يعني ارتفاع التكلفة، وزيادة المخاطر، وضغطًا تشغيليًا أكبر، وأحيانًا فقدان فرصة كاملة كان يمكن الاستفادة منها.

كذلك، تعاني بعض المشاريع من غياب الحوكمة الواضحة. وعندما لا تكون الأدوار والمسؤوليات محددة بشكل دقيق، تبدأ القرارات بالتداخل، وتضيع الأولويات بين الفرق المختلفة، ويتحول التركيز من تحقيق الهدف إلى إدارة الخلافات اليومية، ومن الأخطاء الشائعة أيضًا التعامل مع المشروع كأنه مجرد عقد يجب تشغيله، بينما المشاريع الكبرى اليوم تحتاج إلى إدارة برامج متكاملة تشمل: التخطيط، وإدارة المخاطر، والمتابعة المستمرة، ورفع الجاهزية، والتواصل الفعال بين جميع الجهات ذات العلاقة.

النجاح الحقيقي لا يتحقق عند توقيع العقد أو الإعلان عن المشروع، بل يبدأ بعد ذلك. وهنا يظهر الفرق بين مشروع يدار بعقلية تشغيل يومي، ومشروع يدار بعقلية استراتيجية طويلة المدى، كما أن بعض الجهات تركز بشكل كبير على مرحلة الإطلاق الإعلامي للمشروع، بينما التحدي الحقيقي يكون دائمًا في الاستمرارية وجودة التنفيذ بعد التشغيل الفعلي.

وفي المشاريع ذات الطبيعة الحساسة، مثل مشاريع النقل أو الصحة أو الخدمات التشغيلية المرتبطة بالمواسم، تصبح الحاجة أكبر لوجود مرونة عالية وسرعة استجابة وتكامل فعلي بين جميع الأطراف، لأن أي فجوة بسيطة قد تؤثر بشكل مباشر على الخدمة أو المستفيد النهائي، المؤشرات والتقارير وحدها لا تكفي إذا لم تتحول إلى قرارات واضحة وإجراءات عملية. كما أن كثرة الاجتماعات لا تعني بالضرورة وجود تقدم حقيقي، خصوصًا إذا غابت المساءلة والوضوح وسرعة المعالجة.

اليوم، أصبحت كفاءة الإدارة وجودة الحوكمة وسرعة اتخاذ القرار عوامل لا تقل أهمية عن الميزانية نفسها، وربما تتفوق عليها في بعض المشاريع، فالمال يستطيع شراء المعدات والخدمات، لكنه لا يستطيع وحده شراء التكامل، أو اختصار الوقت، أو معالجة ضعف الإدارة، ولهذا السبب، فإن نجاح المشاريع لم يعد يقاس فقط بحجم الإنفاق، بل بقدرة الجهات على تحويل الموارد إلى نتائج حقيقية ومستدامة

 

خاص_الفابيتا