المقاطعة العشوائية.. انفعال غير مبرر

04/05/2026 0
حسين بن حمد الرقيب

في كل مرة تتصاعد فيها دعوات المقاطعة على منصات التواصل، يتكرر المشهد ذاته: موجة غضب، تفاعل واسع، أحكام سريعة، ثم قرار جماعي يُتخذ في دقائق، بينما تداعياته قد تمتد لأشهر وربما سنوات، المشكلة ليست في المقاطعة كفعل، بل في الطريقة التي تُدار بها، حين تُبنى على انفعال لا على معرفة، وعلى رواية ناقصة لا على حقائق مكتملة.

الاقتصاد لا يعمل بمنطق "الترند" ولا يتحمل قرارات تُصنع تحت ضغط اللحظة، السوق شبكة مترابطة، وأي استهداف لمنشأة أو علامة تجارية لا يصيبها وحدها، بل يمتد إلى الموردين، وسلاسل الإمداد، وآلاف الموظفين من أبناء الوطن الذين تعتمد أسرهم على هذا الدخل، هنا تتحول المقاطعة من موقف فردي إلى ضرر جماعي غير محسوب.

الأخطر من ذلك أن هذا السلوك، عندما يتكرر، لا يُقرأ داخليًا فقط، بل يُترجم خارجيًا كمؤشر على هشاشة البيئة الاستثمارية، المستثمر لا ينجذب للأسواق التي تتحرك بالعاطفة، بل لتلك التي تُدار بالاستقرار والوضوح، وكل موجة مقاطعة عشوائية تترك خلفها سؤالًا مقلقًا: هل يمكن التنبؤ بسلوك السوق؟ وهل القرارات الاقتصادية فيه محكومة بالأنظمة أم بالضغوط؟

في المقابل، الحقيقة التي يتم تجاهلها أن السوق السعودي اليوم ليس سوقًا تقليديًا، بل اقتصاد متنوع تقوده قطاعات غير نفطية متنامية، وقطاع خاص أصبح شريكًا رئيسيًا في التنمية، ومنظومة رقابية صارمة لا تسمح بمرور منتج دون فحص ولا منشأة دون متابعة، هذه ليست بيئة تُدار بالشائعات، بل بالأرقام والأنظمة.

المقاطعة العشوائية لا تعاقب المخطئ بقدر ما تربك السوق، ولا تصحح الخطأ بقدر ما تخلق أخطاء جديدة، هي ببساطة نقل للضرر من طرف إلى أطراف متعددة، غالبًا الأضعف فيها هم العاملون والمنتجون المحليون، والأسوأ أنها تمنح الشائعة قوة أكبر من الحقيقة، وتحوّل المستهلك من عنصر استقرار إلى مصدر تقلب.

الوعي الاقتصادي لا يُقاس بحدة الموقف، بل بدقته، ليس كل ما يُتداول صحيحاً، وليس كل ما يُقال يستحق أن يُبنى عليه قرار، بين المعلومة والإشاعة خيط رفيع، لكن نتائجه على الاقتصاد عميقة، السؤال الحقيقي ليس: هل نقاطع؟ بل: هل نفهم ما نفعل؟ لأن قرارًا استهلاكيًا غير واعٍ قد يهدم ما بُني خلال سنوات دون أن نشعر.

 

نقلا عن الرياض