ما المهم في معدلات الخصوبة؟

04/05/2026 0
ثامر السعيد

ليست كل الأرقام متساوية في الأهمية، منها ما يعيد تشكيل قرارات الاستثمار لعقود قادمة ومن ذلك معدلات الخصوبة في العالم! سر تراكمي مثير، ما يبدو رقما ديموغرافيا محايدا، يتحول إلى مؤشر مبكر على اتجاهات الطلب، وهيكل سوق العمل، وقدرة الاقتصاد على النمو أو التباطؤ. العالم اليوم لا يتحرك في مسار واحد، بل ينقسم إلى مسارين متضادين دول متقدمة فقدت قدرتها على الإحلال السكاني، وأخرى لا تزال تعيش فائضاً في المواليد دون خطط تحتوي النمو.

هذا الانقسام لا يُقرأ اجتماعيا وحسب، بل يدخل حسابات الأسواق والخطط. منظور صندوق النقد الدولي حول “العائد الديموغرافي” يوضح أن ارتفاع نسبة السكان في سن العمل يمكن أن يدفع النمو إذا توفرت البيئة الحاضنة التعليم وسوق العمل المنتج، وفي المقابل، تشير دراسات حديثة للصندوق إلى أن أوروبا بدأت تدفع تكلفة معاكسة؛ تقلص القوى العاملة وارتفاع الإعالة يضغطان على النمو والإنتاجية. ما بين هذين الحدين، تتشكل بوصلة الاستثمار.

في الاقتصادات ذات الخصوبة المرتفعة، كما في أجزاء واسعة من إفريقيا، تبدو القصة للوهلة الأولى مغرية: أسواق شابة، وطلب متزايد، واتساع في قاعدة المستهلكين، لكن بدون اقتصاد قادر على استيعاب هذا التوسع، يتحول النمو السكاني من أصل إلى عبء وهاجس اقتصادي، إذا لم يقابله خلق وظائف وإنتاجية ينقلب إلى بطالة ومجتمع خامل، وضغط على الخدمات، وتقلبات اجتماعية. لهذا، فإن رأس المال في هذه الأسواق لا يبحث عن “نمو سريع” بقدر ما يبحث عن “قابلية التحول لبيئة منتجة، حيث يمكن تحويل الكتلة السكانية إلى قوة اقتصادية.

على الطرف الآخر، تقف اقتصادات منخفضة الخصوبة، من شرق آسيا إلى أوروبا. هذه الاقتصادات لا تعاني من نقص رأس المال أو ضعف المؤسسات، بل من تحول عميق في بنية الطلب. عندما يتراجع عدد المواليد، يتباطأ النمو الكمي للاستهلاك، ويزداد وزن الإنفاق الصحي والتقاعدي. منظمة التعاون الاقتصادي تتوقع ارتفاع نسبة كبار السن إلى مستويات تضغط على المالية العامة، وهو ما يعيد توجيه الاستثمار من التوسع إلى الكفاءة. لذلك، لم تعد الفرص في هذه الاقتصادات مرتبطة بعدد المستهلكين، بل بقدرة الشركات على تعويض نقص العمالة عبر التقنية: الأتمتة، والذكاء الاصطناعي، والرعاية الصحية. إنها انتقاله من اقتصاد “ينمو بالعدد” إلى اقتصاد “ينمو بالإنتاجية”.

بين هذين النموذجين، تظهر الاقتصاديات المتوازنة كحالة مختلفة. والسعودية مثال للتوازن الديموغرافي معدل خصوبة عند حدود 2.3 يعني أن الطلب المحلي لا يزال مدفوعاً بقاعدة سكانية شابة، دون أن يتحول إلى ضغط غير قابل للإدارة. هذه المرحلة تاريخياً هي الأكثر حساسية استثمارياً، لأنها تتيح الجمع بين نمو الاستهلاك اليوم، وبناء قاعدة إنتاجية للغد. رؤية 2030 يمكن قراءتها من هذا المنظور أيضا، إدارة استباقية للدورة الديموغرافية. رفع مشاركة القوى العاملة، وتمكين المرأة، والاستثمار في التعليم، واستقطاب الكفاءات، كلها أدوات لتحويل النمو السكاني إلى قيمة اقتصادية.

اللافت أن التوجهات العالمية بدأت تتقاطع مع هذا المسار. مع انخفاض الخصوبة في الاقتصادات المتقدمة، تصبح الهجرة أداة اقتصادية لا خياراً سياسياً فقط. الدول التي ستنجح ليست تلك التي ترفع معدلات الإنجاب، بل تلك التي تعيد تشكيل سوق العمل وتستوعب رأس المال البشري بكفاءة وقدرة الاقتصادات على امتصاص صدمة الشيخوخة.

إن قراءة الخريطة الاستثمارية لم تعد مرتبطة بمعدلات النمو التقليدية، بل بقدرة الدول على إدارة معادلة ديموغرافية معقدة فائض مواليد يحتاج إلى وظائف، أو نقص مواليد يحتاج إلى بدائل. في الحالة الأولى، الخطر هو أن يتحول النمو السكاني إلى عبء يضغط على الاستقرار. وفي الحالة الثانية، الخطر هو أن يتحول الاقتصاد إلى هيكل متقدم بلا زخم.

 

نقلا عن الاقتصادية