نعى المجتمع الاقتصادي المؤرخ الاقتصادي «روبرت سكيدلسكي» الذي وافته المنيّة قبل أيام قليلة عن عمر ناهز السابعة والثمانين، وخصّصت صحيفة «فاينانشال تايمز» صفحة لنعيه ذكرت فيه إسهاماته الفكرية، وتحديداً تركيزه على دراسة الاقتصاد «الكينزي» نسبة إلى «جون كينز» الاقتصادي البريطاني المتوفى عام 1946 ميلادياً، وقد ذكرت الصحيفة عبارة مشهورة لـ«سكيدلسكي» عن الاقتصاديين، وهي «لطالما اعتبرت افتراضاتهم حول السلوك البشري ضيقة بشكل منافٍ للعقل»، وقد ذكر هذه العبارة في كتابه «كينز عودة السيّد»، الذي طرح فيه سؤالاً يعبر عن نظرته للاقتصاد، وهو «لماذا يفشل الاقتصاد؟».
وحين طرح «سكيدلسكي» هذا السؤال، لم يبحث في الأسواق، ولا في السياسات، بل في الطريقة التي يَفهم بها الاقتصادُ الإنسانَ نفسَه، والفشل هنا ليس خللاً في الأدوات، ولا خطأً في الحساب، بل هو فشل في التصور وفي الفرضيات، ويرى الكاتب أن الاقتصاد الحديث سعى لعقود طويلة في أن يتشابه مع بقية العلوم، فاستعار لغة الرياضيات، وتنبؤات الفيزياء، وبنى نماذج مغلقة تفترض عالماً منضبطاً يمكن اختزاله إلى معادلات تتنبأ بسلوكه، هذا الطموح جاء على حساب الواقع، فحين تصبح الدقة الشكلية بديلاً عن الفهم، يتحول الاقتصاد إلى علم أنيق في بُنيته هشاً في تفسيره.
وعودة إلى عبارته الشهيرة، فقد انتقد «سكيدلسكي» تصور الاقتصاد الضيق عن الإنسان، الذي يَفترض أنه عقلاني، يحسب خياراته بدقة، ويختار دائماً ما يعظّم منفعته، هذا الكائن النظري الذي يُعرف في الاقتصاديات الأدبية، ليس سوى ظل مبسط للإنسان الحقيقي، والذي – واقعياً – لا يتصرف وفق حسابات مجردة، بل تحكمه عواطفه، وتشكّله بيئته الاجتماعية، وتوجهه قيمه الأخلاقية، وهو لا يسعى دائماً إلى تعظيم المنفعة بقدر ما يبحث عن الأمان أو المعنى حتى الاعتراف، واختزال ذلك كله في نموذج واحد يقود إلى الفشل في معظم الأحيان.
وفصّل «سكيدلسكي» في هذا الاختزال، فتناول الطريقة التي يتعامل بها الاقتصاد مع المستقبل، فعلى سبيل المثال، يفترض الاقتصاد في صيغته السائدة أن الأحداث المستقبلية يمكن تحويلها إلى احتمالات قابلة للقياس، وأن المخاطر يمكن احتسابها كما تُحتسب الأرقام في جدول مبسّط، ويوضح الكاتب أن المستقبل لا يحمل المخاطرة فقط، بل يحمل «عدم اليقين» وفي كثير من الأحيان لا يعرف الإنسان ما الذي قد يحدث، ولا يملك حتى الأدوات لتقدير احتمال، وفي عالم كهذا لا يتصرف الأفراد كحسابيين باردين، بل ككائنات مترددة حذرة، تقف حائرة دون تصرف لأنها ببساطة لا تعرف ماذا تفعل.
ويتحدى «سكيدلسكي» في كتابه جوهر النماذج الاقتصادية، التي تفترض أن الأسواق تميل بطبيعتها إلى التوازن، وأن أي اختلال فيها مؤقت سرعان ما يُصحّح، إلا أن هذا الافتراض يُغفل أن الأسواق ليست أنظمة ميكانيكية، بل فضاءات بشرية تتضخم فيها التوقعات والمخاوف على حدٍ سواء، وهي بذلك قادرة على أن تنحرف عن التوازن لفترة طويلة، وأن تبني على نفسها أوهاماً جماعية، قبل أن تنهار تحت وطأة هذه الأوهام، ويصف ذلك كيفية حدوث أزمات وفقاعات عدّة، والسوق في هذا السياق ليس كائناً عاقلاً، بل مجموع عقول متقلبة يتفاعل فيها العقل مع الانفعال، وسبب انتقاد الكاتب لمفهوم «عقلانية الأسواق» هو افتراض هذا المفهوم أن الأسواق تصحح نفسها بنفسها (كفاءة الأسواق)، وأن تدخل الدولة يفسدها، والواقع أن الحكومات لو لم تتدخل في كثير من الأزمات لانهارت الأسواق لغير عودة.
وغني عن الذكر بعد ذلك كله أن أكبر انتقاد للكاتب هو اعتماد الاقتصاد المفرط على النماذج الرياضيّة، التي تخفي خلفها فرضيات مبسطة، لا تعكس الواقع بقدر ما تعكس وجهة نظر واضعيها، وبهذا الشكل انفصل الاقتصاد تدريجياً عن جذوره الإنسانية، فبعد أن كان علماً متداخلاً مع الفلسفة والتاريخ والسياسية، يحاول فهم كيف يعيش الناس ويتصرفون، أصبح علماً أكثر انغلاقاً على ذاته، أقل انفتاحاً على بقية المعارف مكتفياً بأدواته الخاصة، هذا الانغلاق أضعف قدرته على التقاط تعقيدات السلوك البشري، وحوّله إلى منظومة تفسيرية تفتقر إلى الحس التاريخي والاجتماعي.
لقد وصل «سكيدلسكي» إلى خلاصة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في دلالتها، وهي أن الاقتصاد يفشل لأنه علم إنساني حاول أن يحاكي العلوم الطبيعية، ففقد صلته بموضوعه الحقيقي، وبيّن أن الحل لا يكمن في مزيد من التعقيد الرياضي والأدوات الإحصائية، بل بالاعتراف أن الإنسان أكثر تعقيداً من أن يختزل في معادلات رياضية، وأن المستقبل أكثر غموضاً من أن يحسب، وإذا كان هدف الاقتصاد هو الحياة الرغدة للإنسان، فكيف يُستثنى الإنسان من الاقتصاد؟
نقلا عن الشرق الأوسط


