في أحد مقاهي وسط القاهرة، حيث يتقاطع ضجيج الشارع مع دخان الشيشة ورائحة القهوة المُحَوَّجَة، كنا نجلس – مجموعة من الصحفيين الاقتصاديين – نتنقل بين عناوين الحرب وتقلبات الأسواق. وقبل أن يفرض اسم جيروم باول نفسه على الطاولة، ومع اقتراب نهاية ولايته، لم يعد اسمه مجرد خبر عابر، بل تحول إلى سؤال معلق بين الدخان: هل نحن أمام رجل أنقذ الاقتصاد من موجة تضخم قاسية، أم مسؤول تأخر في التوقيت.. ثم بالغ في رد الفعل؟
في تلك اللحظة، لم يعد الحديث عن أسعار فائدة أو منحنيات عائد، بل عن شيء أعمق: عن استقلال المؤسسات، وعن حدود السلطة، وعن الثمن الذي يدفعه من يقول "لا" في وجه السياسة.
وربما يكون من الضروري أن أبدأ باعتراف شخصي: لم أكن يوماً من المتحمسين لسياسات باول، بل كنت من بين من انتقدوا تأخره في مواجهة التضخم عام 2021، ورأوا أن استجابته جاءت متثاقلة ثم متشددة أكثر من اللازم. لكن مع مرور الوقت، ومع انكشاف الصورة بشكل أوضح، بدا لي أن الحكم على تجربته لا يمكن أن يُختزل في توقيت قرار هنا أو هناك، بل في قدرته على إدارة واحدة من أكثر اللحظات الاقتصادية تعقيداً في العقود الأخيرة.
صحيح أن باول ليس اقتصادياً أكاديمياً بالمعنى التقليدي، بل جاء من خلفية قانونية ومالية، وهي نقطة استُخدمت ضده كثيراً. وصحيح أيضاً أن قراراته لم تكن دائماً مثالية التوقيت، لكن النتائج على الأرض تتحدث عن نفسها: تضخم بلغ ذروته قرب 9% ثم تراجع إلى مستويات الاستقرار، واقتصاد أظهر قدرة مذهلة على التماسك رغم واحدة من أشد دورات التشديد النقدي منذ عقود.
غير أن القصة لا تُقرأ بالأرقام وحدها. فخلال ولايته، وجد باول نفسه في مواجهة مباشرة مع دونالد ترامب، وانتقادات علنية حادة وصلت أحياناً إلى حد الإهانات الشخصية، تزامناً مع مطالب متكررة لخفض الفائدة. في هذا السياق، لم تكن قرارات السياسة النقدية مجرد أدوات تقنية، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لاستقلالية الاحتياطي الفيدرالي.
هنا تحديداً، تتبلور النقطة التي تدفعني لإعادة تقييم تجربته؛ لم يكن باول خاليًا من الأخطاء، لكنه لم يُظهر أي استعداد لمجاراة الضغوط السياسية على حساب قناعاته المهنية. تمسك بمسار يراه مناسباً، حتى عندما كان هذا المسار غير شعبي لدى الساسة أو الأسواق. لهذا السبب، تبدو المقارنة مع "بول فولكر" حاضرة في الخلفية؛ ليس من حيث النتائج فقط، بل من حيث الاستعداد لتحمل كلفة القرارات الصعبة. فالتاريخ لا يميل عادة إلى مكافأة القرارات السهلة، بل تلك التي تُتخذ تحت ضغط وتُدفع كلفتها سياسياً واقتصادياً.
لو كان التقييم بيدي، لقلت إن جيروم باول يستحق أكثر من مجرد تقدير تقليدي؛ ربما يستحق جائزة نوبل في الاقتصاد ليس لأنه ابتكر نظرية جديدة، بل لأنه حمى النظرية من سطوة الساسة. لقد اختار أن يتحمل كلفة قراراته في وقت كان فيه التراجع هو الخيار الأسهل.
ومع اقتراب خروجه من المشهد، حيث لم يتبقَّ سوى اجتماعين لمجلس الاحتياطي الفيدرالي قبل طي هذه المرحلة، لم يعد الحكم على تجربته ترفاً نظرياً، بل ضرورة لفهم كيف تُحمى المؤسسات. قد لا يحصل باول على إجماع، وربما لن يُصنف كأعظم رئيس في تاريخ الفيدرالي، لكنه سيبقى الرجل الذي رفض أن يكون على "خطأ مريح"، مفضلاً الصواب المكلف.
و ستظل ولايته واحدة من أكثر الفترات جدلاً في تاريخ السياسة النقدية. وربما من أكثرها دلالة على ثمن الاستقلال — ثمنٌ قد يُختبر من جديد في ظل علاقة اتسمت بقدر غير معتاد من التوتر بين البيت الأبيض والفيدرالي، وضغوط سياسية علنية تضع استقلالية المؤسسات على المحك.
خاص_الفابيتا


