النفط لا يقول الحقيقة كاملة

27/04/2026 1
أحمد عزام

من ينظر إلى شاشة النفط قد يظن أن السوق استوعبت الصدمة. برنت فوق 100 دولار، نعم، لكن الحركة لم تعد تحمل ذلك الذعر الذي كان يمكن توقعه مع تعطل بهذا الحجم في مضيق هرمز. هنا تبدأ المشكلة. لأن ما يحدث في السوق الفعلية أكبر بكثير مما توحي به العقود الآجلة، وخصوصًا العقود البعيدة. كأن الشاشة تعترف بنصف القصة فقط، وتترك النصف الآخر في الظل.

في هرمز، ما يقارب 15 مليون برميل يوميًّا ما زالت عالقة أو معطلة عن التدفق الطبيعي. هذا يعادل نحو 15% من الطلب العالمي. هذه ليست كمية يمكن للسوق أن تمتصها بسهولة ثم تمضي في يومها. ما سد هذا الفراغ حتى الآن هو السحب من المخزونات. غولدمان ساكس يقدّر أن العالم استهلك نحو 500 مليون برميل من مخزوناته خلال فترة قصيرة لتعويض النقص. وإذا استمر هذا الإيقاع، فقد نقترب من مليار برميل قبل يونيو.

هذا الرقم وحده يكفي لكي يبعث القلق. لا لأن العالم سينفد منه النفط طبعًا، بل لأن المخزونات هي تهدأ السوق في أوقات الاضطراب. وحين تبدأ الإشارات بالهبوط بسرعة، يصبح أي حادث إضافي أكثر إيلامًا، وأي تأخير في عودة الإمدادات أكثر كلفة، وأي رهان على انفراج سريع أكثر هشاشة.

المشكلة ليست في السعر الحالي

برنت فوق 100 دولار للبرميل. هذا يبدو مرتفعًا في أي ظرف عادي. لكن الظرف الحالي ليس عاديًا أصلًا. وحين نقارن هذا السعر بحجم البراميل التي اختفت من التدفق الطبيعي، يبدو السوق أقل توترًا مما يفترض. الجزء القريب من منحنى الأسعار ارتفع بقوة، وهذا مفهوم لأن المتعاملين في السوق الفورية يشعرون بالضيق أولًا. أما العقود الأبعد، التي تنظر إليها شركات النفط عندما تقرر الحفر أو التوسع أو تأجيل الإنفاق، فما زالت أكثر هدوءًا مما ينبغي.

هنا تظهر النقطة التي التقطها بعض التنفيذيين في قطاع النفط الأميركي بوضوح. السوق البعيدة لا تعطي إشارة كافية للمنتجين. وهي، بهذا المعنى، لا تنقل الحقيقة كاملة. المنتج لا يزيد استثماراته لأن عقد الشهر المقبل ارتفع بعنف. ما يهمه هو ما إذا كانت الأسعار بعد سنة أو سنتين تبرر إنفاقًا أكبر. وإذا بقيت العقود البعيدة متماسكة على هذا النحو، فلن يأتي الإنتاج الإضافي بالسرعة التي يحتاجها العالم لملء هذا النقص وإعادة بناء المخزونات.

المخزونات تقول شيئًا مختلفًا

في العادة، تتحرك المخزونات ببطء. تصعد قليلًا، تهبط قليلًا، وتبقى التغيرات الكبيرة مرتبطة بفصول استهلاك أو دورات اقتصادية واضحة. ما يحدث الآن لا يشبه ذلك. السحب الحالي سريع وخشن، وأقرب إلى استنزاف فرضته الأزمة أكثر من كونه تعديلًا موسميًّا عاديًّا.

حين نفكر في الـ500 مليون برميل التي سُحبت حتى الآن، فنحن لا نتحدث عن تفصيل جانبي. هذا يعادل نسبة معتبرة من المخزونات العالمية المرصودة. ولو نظرنا فقط إلى مخزونات دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وهي الجزء الأكثر شفافية في البيانات، فإن هبوطًا بهذه السرعة يكاد يكون بلا سابقة منذ أواخر الثمانينيات. وإذا مضى هذا المسار لشهر إضافي أو اثنين، فإن السوق ستدخل الصيف وهي أخف كثيرًا مما كانت عليه، وأقل قدرة على امتصاص أي مفاجأة جديدة.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي. السوق لا تحتاج إلى حرب أوسع حتى تتوتر. يكفي أن تستمر الأزمة الحالية من دون حل واضح، فيما تستمر الخزانات بالهبوط، حتى تبدأ شهية الشراء بالعودة من جديد. ليس لأن المضاربين يحبون الذعر، بل لأن السوق في النهاية تعود إلى الواقع. والواقع هنا بسيط؛ هناك نقص يُموَّل من المخزون، والمخزون ليس موردًا دائمًا.

حتى السلام السريع لا يصلح كل شيء

هناك افتراض مريح يطفو في السوق من وقت إلى آخر؛ إذا فُتح هرمز سريعًا، ستعود الأمور إلى طبيعتها. هذا الافتراض يمنح الأسعار البعيدة شيئًا من الهدوء. لكنه يفترض أن النظام النفطي يعمل مثل مفتاح كهرباء. يفتح المضيق، فتعود البراميل، وتنتهي القصة. الواقع أكثر تعقيدًا.

حتى لو جاء اتفاق مفاجئ غدًا، فعودة الحركة لن تكون فورية. هناك ناقلات متراكمة، وشحنات مؤجلة، ومخزونات محلية يجب تصريفها، وآبار أُغلقت أو خُفّض إنتاجها وتحتاج إلى وقت كي تعود، فضلًا عن الأعمال العسكرية والألغام والمخاطر الأمنية التي لا تختفي ببيان سياسي. السوق ستحتاج إلى أشهر حتى تتنفس بشكل طبيعي من جديد. وهذا يعني أن الضغط على المخزونات لن يتبخر بسرعة حتى في أفضل السيناريوات.

بمعنى آخر، الأزمة لا تنتهي في اللحظة التي يتوقف فيها إطلاق النار. أثرها يبقى داخل النظام النفطي لفترة أطول. وهذا ما يجعل الهدوء النسبي في العقود البعيدة غريبًا فعلًا.

السوق المالية تسبق أحيانًا.. وتتأخر أحيانًا

جزء من التشويش الحالي سببه أيضًا سلوك الأموال المضاربة. صناديق التحوط دخلت السنة بانكشاف محدود على النفط، ثم اندفعت إلى الجزء الأمامي من المنحنى مع اشتعال الحرب، ما ضخم الصعود السريع في العقود القريبة. بعد ذلك، ومع ارتفاع التقلبات، والتصريحات السياسية اليومية، والإفراج عن بعض المخزونات الاستراتيجية، تراجعت هذه الصناديق أو خففت مراكزها. هذه الحركة جعلت الأسعار تبدو أهدأ مما يفترضه الواقع المادي.

لكن هذا النوع من الهدوء لا يطمئن طويلًا. السوق المالية تستطيع أن تؤخر الاعتراف بحجم المشكلة لبعض الوقت، ولكن لا تستطيع إلغاءها.

ما الذي لا تريد السوق قوله؟

ربما أن المشكلة أكبر من فكرة "تعطل مؤقت". وربما أن العودة إلى ما قبل الأزمة ستستغرق وقتًا أطول مما تحب السوق أن تصدّق. وربما أيضًا أن العالم لم يسعّر بعد الكلفة الحقيقية لإعادة بناء المخزونات بعد هذا الاستنزاف، ولم تُسعر الكلفة الاقتصادية على حالة العالم أجمع.

لهذا يبدو المشهد الحالي مضللًا قليلًا. السعر مرتفع، نعم، لكنه لا يزال يترك انطباعًا بأن السوق تحت السيطرة. بينما الحقيقة أن السوق تعيش على المخزون، وتؤجل مواجهة الفراغ لا أكثر. هذا الفراغ لا يختفي لأنه لم يعد يتصدر العناوين كل يوم. هو موجود، ويتحرك داخل النظام النفطي كله، من الناقلات إلى المصافي إلى قرارات المنتجين.

في لحظة ما، سيتعين على الأسعار أن تتصالح مع هذا الواقع. السؤال فقط؛ هل يحصل ذلك تدريجيًّا، أم على طريقة الأسواق حين تتأخر طويلًا في الفهم، ثم تستوعب كل شيء دفعة واحدة؟

 

خاص_الفابيتا