أثار توجه جديد لجامعة الملك سعود بإيقاف القبول بتخصصات شملت أقسام بالعلوم الإنسانية وكذلك اللغات وعلوم الأغذية والزراعة مع إطلاق إستراتيجية جديدة تركز على تخصصات علمية وهو توجه صحيح وموفق، ومن المعروف أن الجامعة تحولت إلى مؤسسة أكاديمية مستقلة غير هادفة للربح ، وأصبحت تعمل تحت مظلة الهيئة الملكية لمدينة الرياض بناءً على أمر سامي صدر عام 2022. حيث تهدف هذه النقلة إلى تعزيز استقلاليتها المالية والإدارية، وتشكيل مجلس إدارة جديد للجامعة بإشراف مباشر من الهيئة على خططها واستراتيجيتها وكل ما يتعلق بأعمالها .
ولعل أفضل ماقامت به الجامعة أنها لم تستطلع رأي العاطفيين بأرائهم والتي نقدت قرار الجامعة بإلغاء برامج التخصصات التي أعلن عنها وإيقاف القبول لأخرى حيث ركز الناقدون على أن دور الجامعة أكبر من الاهتمام بسوق العمل والذي أوضحته الجامعة ببيان لها أنها تركز على تخصصات تتناسب مع احتياجات سوق العمل وتواكب التخصصات المستقبلية محلياً وعالمياً وهنا لابد من التوقف عند هذه النقاط المهمة جداً فلا أحد في هذا العالم يكمل تعليمه الجامعي أو المهني لأجل المعرفة فقط بل لكي يجد فرصة عمل يبني فيه مستقبل آمن له ولأسرته فالمعرفة موجودة في الجامعة والمكتبة وعلى الشبكة العنكبوتية، ولو طرح سؤال علي الناقدين للقرار: ماهي التخصصات التي تنصح بها أبناءك أو إخوانك لكان اختيار أغلبهم التخصصات التي يطلبها سوق العمل فالمثقف لابد أن ينظر للمستقبل ليساهم بتقديم ما يعزز قوة الاقتصاد والمجتمع في النظام العالمي الجديد القائم على الاقتصاد حصرياً فكل من كتب ناقداً لهذا القرار استخدم جهازاً ذكياً ابتكره مختصون بالهندسة والرياضيات والفيزياء والكيمياء وقام بتصنيعه وتجميعه مهنيين ولم يشارك بأي مرحلة منه مختص بمجال نظري «تقليدي» والمقصود بأن الاستعانة بأي تخصص نظري هو من كليات تميزت بخريجين نخبة وعددهم قليل جداً لأن التخصصات بالعلوم الإنسانية وعلم الاجتماع يفترض أن تكون نخبوية جداً تقتصر على عدد قليل يخرج باحثين ومفكرين للمجتمعات وليس زيادة تكديس للعاطلين من الجامعيين فكفاءة الإنفاق على رأس المال البشري تمثل أحد أعمدة وركائز تحقيق الأهداف التنموية فالمملكة يبلغ متوسط ما تعتمده للتعليم سنوياً مابين 20 إلى 25 بالمائة من الميزانية العامة للدولة سنوياً حيث يوجد أكثر من 37 ألف مدرسة وحوالي 74 جامعة وكلية منها 29 جامعة حكومية تنتشر بكافة المناطق ويبلغ عدد الطلاب الجامعيين مع الدبلوم والدراسات العليا حوالي 1،7 مليون ويتخرج سنوياً أكثر من 230 ألف جميعهم يدخلوا ضمن الباحثين عن فرص عمل مما يشكل تحدياً تنموياً كبيراً ولذلك جاءت رؤية 2030 لتطلق طاقات وإمكانيات المملكة بمختلف القطاعات مما ساهم بخفض البطالة لقرابة 7 بالمائة بأقل من عشرة أعوام نزولاً من حوالي 12 بالمائة.
لكن ماغاب عن نظر من نقد القرار أن التوجه نحو تركيز أكبر وأعرق جامعات المملكة بإمكانياتها الكبيرة لتخصصات المستقبل هو داعم كبير لنمو الاقتصاد واستدامة نشاط القطاعات فيه فهل يعلمون بأن نسبة الممارسين الصحيين السعودين لا تتعدى 42 بالمائة وأن نسبة الأطباء السعوديين هي عند هذه النسبة أيضاً وأن عدد الخريجين من كليات الطب حوالي 4000 سنوياً مما يعني أننا لن نصل لتغطية هذا الانكشاف المهني إلا بعد سنوات طويلة فبحساب بسيط هناك 1،7 طبيب سعودي لكل ألف نسمة ومع الأطباء الوافدين تصل النسبة إلى 4 لكل ألف تقريبا بينما تصل في كوبا 6 أطباء لكل ألف، وذات الرقم في أوروبا وهو ما يعزز تقديم خدمة صحية أفضل لكن المقلق هو أن هذه المهنة مطلوبة دولياً، لذلك لابد من رفع النسبة بشكل كبير جدا بسنوات قليلة لا تزيد عن عشرة لتتجاوز 70 بالمائة للأطباء ولكل الممارسين الصحيين إغلاقاً لهذا الانكشاف المهني الحساس.
أما في تخصص الهندسة فعدد المرخصين من الهيئة السعودية للمهندسين فيبلغ للمهندسين والفنيين 460 ألفا وعدد السعوديين 142 ألف أي حوالي 31 بالمائة فقط وهو مؤشر سلبي، لأن المملكة دولة اقتصادها ضخم ولديها احتياج بشري للقاعدة الصناعية وكذلك بقطاع الإنشاءات والتقنية والخدمات والصيانة والتشغيل كبير جداً مما يعني أننا بحاجة ماسة لزيادة أعداد المهندسين والفنيين السعوديين وذات الأمر ينطبق في تخصصات الرياضيات والفيزياء والكيمياء وتخصصات العلوم قديمها وحديثها. إن انتقال الاقتصاد السعودي لرفع نسب الإنتاجية بمختلف القطاعات وكذلك المحتوى المحلي الذي منه رأس المال البشري ودخول عصر الذكاء الاصطناعي بكافة الأعمال لا يمكن أن يتم دون تأهيل كوادر بشرية بأعداد ضخمة للسنوات العشرين القادمة حتى يتم إنجاح مبادرة مصانع المستقبل القائمة على الأتمتة والذكاء الاصطناعي، وكذلك الاستثمارات الجديدة بمراكز البيانات التي تستهدف المملكة مركزاً متقدماً جداً عالمياً فيها وتقودها شركة هيوماين المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، إضافة لشركات البيئة والصناعات الدوائية والأجهزة الطبية والسيارات وكذلك الطاقة المتجددة والنظيفة.
فالغريب هو أن الناقدين أنفسهم كان أغلبهم يعتبرون سبب بطالة الجامعيين هي بزيادة القبول بالتخصصات النظرية فثلاثة تخصصات نظرية تستحوذ على نسبة 50 بالمائة من خريجي الجامعات وهو رقم كبير جداً بل إن بعض الإعلاميين الذين يميلون للنقد الشعبوي كانوا يرددون بمناسبات عدة ببرامج قدموها أو شاركوا فيها أو مقالات نشروها أنه « ليس ضرورياً أن تدرس الجامعات كل التخصصات» فما الذي يجعل كل هؤلاء يناقضون حديثهم السابق، ثم من قال إن مسؤولية حفظ التاريخ ونشر قواعد اللغة العربية وتأصيل تعليمها تختص به جامعة واحدة وهي فقط من تسأل عن ذلك فهناك عشرات الجامعات الحكومية والخاصة تدرس هذه التخصصات، ولعل تقليص القبول فيها والتركيز على جودة المخرجات لنخب بهذه المجالات ليعملوا بمراكز بحث وفكر أفضل وأكثر منفعة للمجتمع وثقافته وحفظ تراثه كما أن تأسيس ونشر معارفها اللغة العربية يبدأ من التعليم العام .
أخيراً المملكة تستثمر برأس المال البشري من ثروة ناضبة لتخلق ثروة مستدامة بعقول نيرة تدير القطاعات الحديثة والتقنيات المتقدمة التي ستلعب دوراً بارزاً في نهضة اقتصاد المملكة ليكون بمصافي أكبر الاقتصادات العالمية، فالفرصة الحالية تعد ذهبية لهذا التحول الاقتصادي الهام جداً والذي تتكامل فيه توجهات الاستثمار وتفعيل كافة القطاعات مع تأهيل لرأس المال البشري الوطني ليقود هذه التنمية بالميدان، فالنظر لسوق العمل وربط مخرجات التعليم به مسألة حيوية أساسية لاقتصاد المملكة الناشئ، وهذا يتطلب تحولا جذريا بعدد المقبولين بتخصصات المستقبل، فمن كان يقارن القبول المحدود لدينا بالتخصصات العلمية مع كوريا الجنوبية واليابان الأعلى قبولا عالمياً بالتخصصات العلمية بنسب تصل إلى 40 بالمائة سنويا بالرياضيات والفيزياء والكيمياء والهندسة حصراً وليس بباقي التخصصات الطبية والعلمية الأخرى هم أغلبهم من انتقد إيقاف الجامعة لبرامج تخصصات لا يحتاجها سوق العمل وهناك تشبع بها.
نقلا عن الجزيرة


