ارتفاع الطاقة.. من يدفع الثمن أولًا؟

05/04/2026 0
ثامر السعيد

لا تُقاس صدمة الطاقة بارتفاع سعر النفط وحده، بل بحجم المسافة بين السعر الذي بنت عليه الشركات موازناتها، والسعر الذي وجدت نفسها تتعامل عنده فجأة. ففي الظروف الطبيعية تبقى الطاقة بندا ضمن عناصر التكلفة الاعتيادية المحتواة، لكن في فترات الاضطراب تتحول إلى عنصر يعيد ترتيب مراكز القوة والضعف داخل القطاعات.

عندها لا يصبح السؤال: كم بلغ سعر النفط؟ بل: من يستطيع امتصاص الزيادة، ومن تبدأ هوامشه في الانكماش سريعًا، ومن يضطر إلى رفع الأسعار أو تقليص الإنتاج أو إعادة النظر في خططه؟

وأول من يستقبل هذه الصدمة هو القطاع الصناعي. فالديزل لا يدخل المصنع من باب واحد، بل يمر عبر كامل السلسلة: في نقل المواد الخام، وتشغيل المعدات الثقيلة، وحركة الشاحنات، والتوزيع النهائي. ولهذا فإن ارتفاعه لا يرفع فاتورة النقل فقط، بل يدفع تكلفة المبيعات نفسها إلى أعلى.

الخطر هنا لا يكمن في زيادة محاسبية عابرة، بل في أن يتحول الوقود إلى ضغط يومي على هوامش الربح، خصوصًا في الصناعات التي تعتمد على الحركة الكثيفة أو التشغيل الحراري أو المواد الوسيطة الثقيلة. ولهذا تبدو القطاعات الصناعية الأكثر استهلاكًا للطاقة، مثل الكيماويات والبتروكيماويات والمعادن والمواد غير المعدنية والورق، أكثر تعرضًا من غيرها. فهذه القطاعات لا تتأثر فقط بارتفاع تكلفة التشغيل المباشر، بل أيضًا بزيادة تكلفة المدخلات والخدمات اللوجستية في الوقت نفسه.

وإذا كانت الشركة تملك قدرة محدودة على تمرير هذه الزيادة إلى العميل، تبدأ المعادلة الأصعب: إنتاج بتكلفة أعلى وهامش أضيق. وهنا يصبح استمرار وفرة الإنتاج قرارًا مكلفًا، لا مجرد خيار تشغيلي مريح.

لهذا فإن أثر الطاقة في الصناعة لا يتوقف عند بند الربحية، بل يمتد إلى الطاقة الإنتاجية نفسها. فكلما طال بقاء الأسعار المرتفعة، تراجعت مرونة الشركات في الحفاظ على نفس مستوى الإنتاج والتسعير معًا. الشركات الأكبر قد تملك قدرة أفضل على التفاوض والشراء المجمع وإدارة العقود، أما الأصغر فتشعر بالضغط أسرع على السيولة والهامش.

بعد الصناعة يأتي الطيران، لكنه يتأثر بطريقة مختلفة. فالوقود في هذا القطاع ليس عنصرًا هامشيًا، بل من أكبر بنود التكلفة أصلًا. لذلك فإن أي ارتفاع كبير في أسعار النفط أو وقود الطائرات ينعكس بسرعة على أسعار التذاكر، ورسوم الشحن، وخطط التوسع، وجدوى بعض المسارات. شركات الطيران تستطيع تمرير جزء من الزيادة إلى المسافر، لكنها لا تستطيع فعل ذلك بلا حدود، لأن الطلب نفسه يتأثر عندما ترتفع التكلفة كثيرًا.

ومن هنا تأتي حساسية السياحة. فالقطاع السياحي لا يدخل منطقة الخطر لمجرد أن النفط تجاوز مستوى معينًا، بل عندما يستمر الارتفاع مدة كافية فتبدأ شركات الطيران بخفض السعة أو رفع الأسعار بشكل متكرر. عندها لا تصبح الرحلة أغلى فقط، بل تصبح قابلة للتأجيل أو الإلغاء، خصوصًا في السفر الترفيهي البعيد والحساس للسعر. وهذا يعني أن أثر الطاقة في السياحة يأتي عادة بوصفه نتيجة لاحقة لما يصيب الطيران أولًا.

في النهاية، حين ترتفع الطاقة لا تختبر السوق من يبيع أكثر، بل من يحتمل أكثر. الصناعة تتلقى الضربة الأولى، لأن الديزل يضغط الإنتاج والنقل معًا، والطيران يدفع الثمن سريعًا، لأن الوقود يلتهم جزءًا كبيرًا من تكلفته، ثم تأتي السياحة لتواجه أثرًا غير مباشر عبر التذكرة والطلب. لذلك فإن النجاة في مثل هذه الفترات لا تعتمد على التمويل فقط، بل على الانضباط التشغيلي، ومرونة العقود، وسرعة التسعير، ورفع الكفاءة. ففي أوقات الطاقة المرتفعة، لا تبقى الأفضلية للأكبر دائمًا، بل للأقدر على الامتصاص والأجدر في التحوط.

 

نقلا عن الاقتصادية