بعد عام على «يوم التحرير».. التجارة العالمية لم تنكسر

05/04/2026 3
أحمد عزام

قبل عام، بدا العالم وكأنه يقف على حافة صدمة تجارية كبرى.

حين وقف دونالد ترامب في الثاني من نيسان 2025 في حديقة الورود بالبيت الأبيض، رافعاً لوحته الشهيرة التي تعلن تعريفات متبادلة تتراوح بين 10% و50% على شركاء الولايات المتحدة التجاريين، لم يكن الانطباع السائد أن الأسواق أمام جولة عابرة من التهديدات، بل أمام انعطافة حقيقية قد تضرب النمو العالمي، وترفع التضخم، وتربك سلاسل الإمداد، وتفتح الباب أمام نسخة أشد قسوة من الحروب التجارية التي عرفها العالم في ولايته الأولى.

في تلك اللحظة، كان الخوف منطقياً.

الأسواق اهتزت بعنف، ومؤشر «إس آند بي 500» خسر نحو 12% في يومين فقط، والدولار تراجع، وارتفعت نبرة التحذير من ركود تضخمي محتمل في الولايات المتحدة، مع انعكاسات أوسع على الاقتصاد العالمي. كثيرون اعتقدوا أن التجارة الدولية تتجه إلى ضربة يصعب امتصاصها، وأن الولايات المتحدة نفسها ستكتشف سريعاً أن تحويل السياسة التجارية إلى أداة صدامية بهذا الحجم لن يمر بلا كلفة داخلية وخارجية.

لكن بعد مرور عام، تبدو الصورة مختلفة إلى حد كبير.

الصدمة كانت حقيقية، نعم، لكن الانهيار الذي خشيه كثيرون لم يقع. التجارة العالمية لم تتداعَ، والواردات الأميركية لم تنهَر، والشركاء التجاريون الكبار لم يسقطوا واحداً تلو الآخر تحت وطأة الرسوم. ما حدث فعلياً كان أقل درامية من الإعلان الأول، وأكثر تعقيداً من الرواية السياسية التي أحاطت به.

التعريفات لم تصل إلى ما أُعلن عنه

جوهر القصة يبدأ من هنا.

التعريفات التي أُعلن عنها في «يوم التحرير» كانت، لو طُبقت كما طُرحت في البداية، سترفع متوسط التعرفة الأميركية الفعلية إلى نحو 20%، أي بزيادة تقارب 12 نقطة مئوية. كان ذلك كفيلاً بإحداث صدمة عميقة في حركة التجارة العالمية، ولا سيما في عالم خرج لتوه من سنوات اضطراب في سلاسل الإمداد وارتفاع في الكلف الجيوسياسية والطاقوية.

لكن هذه الصيغة لم تُطبق فعلياً كما أُعلنت.

ما حصل لاحقاً كان سلسلة طويلة من التراجعات الجزئية، والتأجيلات، والاستثناءات، والتسويات. فبعد التصعيد الأولي، ولا سيما مع الصين، بدأت الإدارة الأميركية نفسها بتخفيف الأثر العملي للسياسة التي أطلقتها. الرسوم المرتفعة فُرضت لفترة قصيرة جداً، ثم جرى تأجيلها، ثم خُفضت في صيغ لاحقة، فيما حصلت دول على معدلات أدنى من المعلن، واستمرت المفاوضات مع دول أخرى حتى بعد نشر الجداول المحدّثة.

النتيجة أن متوسط التعرفة الأميركية الفعلية، عشية حكم المحكمة العليا الذي أبطل الرسوم المفروضة بموجب قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة، لم يكن 20% كما خشي كثيرون، بل 13.5% فقط. الفارق هنا ليس تقنياً. إنه الفارق بين صدمة شاملة وأذى يمكن للاقتصاد العالمي أن يتكيف معه.

البيت الأبيض أعلن شيئاً.. ثم أمضى شهوراً يخفف حدته

هذا التباين بين الإعلان والتنفيذ كان في صلب ما حصل.

فالبيت الأبيض، بعد أن أحدث صدمة سياسية ومالية واسعة، بدأ يتراجع تدريجاً عن بعض أكثر عناصر الخطة قسوة. تم تعليق الرسوم الأعلى قبل أن تتحول إلى واقع مستدام، ثم جاءت الاتفاقات التجارية، والهدنة مع الصين، والإعفاءات القطاعية، لتُفرغ السياسة الأصلية من جزء كبير من زخمها.

الهدنة التجارية مع الصين كانت من أبرز الأمثلة على ذلك.

فبدلاً من تثبيت الرسوم المتبادلة المرتفعة على الواردات الصينية عند المستويات التي أُعلن عنها في نيسان، ثم أعيد إدراجها في صيف 2025، جرى التوصل إلى تهدئة خفضت هذه الرسوم إلى 10%، وهي هدنة مُددت لاحقاً حتى تشرين الثاني 2026. هذا وحده خفّض أثر السياسة على متوسط التعرفة الأميركية بنحو 2.4 نقطة مئوية.

ثم جاءت الإعفاءات القطاعية، وهي ربما أقل ظهوراً في العناوين، لكنها كانت أكثر حسماً في الواقع.

بعد أيام فقط من الإعلان الأول، وُسعت استثناءات أشباه الموصلات لتشمل إلكترونيات أساسية مثل الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر. وفي مراحل لاحقة، أُضيفت سلع أخرى مثل الذهب، واللحوم، والقهوة. هكذا، لم تعد الرسوم المعلنة هي نفسها الرسوم المطبقة فعلياً. وبين ما يُقال سياسياً وما يُنفذ اقتصادياً، كانت الفجوة أكبر مما بدا في البداية.

القضاء الأميركي بدّل المسار.. لكن لم يلغِ الفكرة

التحول الكبير جاء في 20 شباط 2026، حين قضت المحكمة العليا بعدم قانونية الرسوم «المتبادلة» وكل التعريفات المفروضة بموجب قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة.

بمعنى آخر، الأداة القانونية التي استندت إليها الإدارة في فرض الجزء الأهم من هذه السياسة لم تعد صالحة. لكن ذلك لم يعنِ نهاية النهج التجاري الحمائي، بل فقط إعادة صياغته.

الإدارة تحركت سريعاً إلى بديل شبه فوري، فارضة تعرفة موحدة عند 10% بموجب المادة 122 على مجموعة تكاد تطابق تلك التي كانت خاضعة للرسوم السابقة، مع الإبقاء على معظم الإعفاءات نفسها. بهذه الصيغة، انخفض الأثر الإضافي لهذه الرسوم إلى 3.7 نقاط مئوية فقط. أي أن السياسة لم تختفِ، لكنها باتت أخف وطأة، وأكثر قابلية للهضم اقتصادياً وسياسياً.

الواردات الأميركية لم تنهَر.. لكنها تغيّرت من الداخل

ربما هنا تكمن المفاجأة الأهم.

فكل هذا الضجيج السياسي لم يترجم إلى انهيار فعلي في الواردات الأميركية. من نيسان إلى كانون الأول 2025، تراجعت الواردات الأميركية بنسبة 1.7% فقط مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. هذا الرقم، في سياق تهديدات بهذا الحجم، يبدو محدوداً جداً. بل إنه يكشف أن الاقتصاد الأميركي لم يتعامل مع الرسوم بوصفها سداً قاطعاً، بل بوصفها كلفة إضافية أمكن امتصاصها جزئياً أو الالتفاف عليها.

لكن خلف هذا الثبات النسبي، حدثت تحولات عميقة في التركيبة.

جزء مهم من متانة الواردات جاء من السلع المرتبطة بثورة الذكاء الاصطناعي. إن أكبر ثلاثة بنود ساهمت في نمو الواردات الأميركية خلال تلك الفترة كانت على الأرجح منتجات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي. ولو استُبعدت هذه البنود، لكانت الواردات الأميركية قد انخفضت بنحو 7% على أساس سنوي، وهو ما كان سيشكل أكبر تراجع خلال عقد كامل باستثناء سنة 2020 المرتبطة بأزمة الجائحة.

هذا يعني أن الذكاء الاصطناعي لم يكن فقط قصة تكنولوجية أو استثمارية، بل تحول أيضاً إلى عنصر دفاعي مهم في التجارة العالمية.

ففي وقت حاولت فيه السياسة التجارية الأميركية إعادة ضبط تدفقات الواردات بالقوة، جاءت الموجة التكنولوجية الجديدة لتؤكد أن سلاسل الإمداد العالمية لا تزال عميقة ومتشابكة، وأن الولايات المتحدة نفسها لا تستطيع بسهولة تقليص اعتمادها على العالم الخارجي في القطاعات الأشد حساسية للمستقبل.

أميركا استوردت أقل من بعض السلع.. وأكثر من شركاء جدد

ما تغير أيضاً هو خريطة الشركاء.

فبدلاً من توقف التجارة، حدثت عملية إعادة توزيع واسعة داخلها. المنتجات الأكثر تعرضاً للرسوم، مثل السيارات وقطع الغيار، سجلت تراجعاً أكبر. وفي المقابل، حوّل المستوردون الأميركيون جزءاً من مشترياتهم إلى دول جديدة. التقديرات تشير إلى أن نحو 13% من السلع التي اشترتها الولايات المتحدة من الخارج في 2025 جاءت من بلدان مختلفة عن تلك التي استوردت منها السلع نفسها في 2024. وهذا حجم من إعادة التموضع لم يشهده العقد الأخير، بما في ذلك خلال الحرب التجارية الأميركية الصينية الأولى.

بعبارة أخرى، التجارة لم تنكمش بقدر ما أعادت رسم مساراتها.

وهنا تكمن واحدة من أهم حقائق الاقتصاد العالمي في السنوات الأخيرة: حين ترتفع الكلفة في مكان، لا تتوقف السلسلة دائماً، بل تبحث عن مسار بديل. وهذا ما فعلته الشركات والموردون والمستوردون. لم يتصرفوا كضحايا لصدمة نهائية، بل كفاعلين يسعون إلى التكيف بأسرع ما يمكن.

العالم لم يسقط مع الطلب الأميركي

هذه التحركات لم تقتصر على الولايات المتحدة.

فعلى المستوى العالمي، تشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن قيمة تجارة السلع العالمية ارتفعت في المتوسط 7.3% على أساس سنوي خلال الأشهر الستة حتى تشرين الثاني 2025، فيما أظهرت أحجام التجارة، بحسب مكتب هولندا لتحليل السياسات الاقتصادية، نمواً بنحو 5% حتى كانون الثاني 2026. هذه الأرقام مهمة لأنها تقول ببساطة إن العالم لم يدخل في ركود تجاري رغم كل الضجيج.

بل إن كثيراً من المصدّرين الكبار تمكنوا من توسيع تجارتهم مع اقتصادات أخرى، بما عوض أكثر من تراجع الطلب الأميركي في بعض المجالات.

الصين مثال واضح على ذلك. فعلى رغم الضغوط الأميركية، تمكنت صادراتها إلى الأسواق خارج الولايات المتحدة من النمو بقوة، مدعومة جزئياً بضعف اليوان. وفي جنوب شرق آسيا، استطاعت دول عدة أن تزيد صادراتها إلى الولايات المتحدة وإلى بقية العالم في الوقت نفسه، مستفيدة من الحصص السوقية التي خسرتها الصين، ولا سيما في قطاع الإلكترونيات.

أما كندا والمكسيك، وهما الأكثر التصاقاً بالسوق الأميركية، فقد سلكتا مسارين مختلفين.

المكسيك استفادت من تعريفات أقل حدة على المستوى الثنائي، ما دعم صادراتها إلى الولايات المتحدة. في المقابل، عانت كندا أكثر بسبب انكشافها على سلاسل قيمة طاولتها الرسوم القطاعية، مثل السيارات والمعادن، وكذلك بسبب ضعف الطلب الأميركي على منتجات الطاقة.

التأثير على التضخم كان أقل من المخاوف الأولى

واحدة من أكثر القضايا حساسية في بداية الأزمة كانت الخوف من أن تقود هذه الرسوم إلى موجة تضخمية كبيرة داخل الولايات المتحدة، ثم إلى تشديد نقدي أوسع يضغط على الاقتصاد العالمي.

حتى الآن، لم يتحقق هذا السيناريو بالحدة التي خشيها البعض. الأثر على التضخم الأميركي بقي محدوداً نسبياً، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن الرسوم الفعلية كانت أقل من المعلن، وإلى أن الشركات والموردين نجحوا في امتصاص جزء من الصدمة عبر إعادة التوجيه والإعفاءات والتأجيلات.

لكن ذلك لا يعني أن الخطر اختفى نهائياً.

فالعالم اليوم لا يواجه فقط ملف التعريفات، بل يواجهه في لحظة حساسة أصلاً، مع ارتفاع تكلفة الطاقة بفعل الحرب الإيرانية، وتراجع شعبية ترامب مع تنامي قلق الناخب الأميركي حيال الاقتصاد وكلفة المعيشة. وهذا ما يجعل أي تصعيد تجاري جديد أكثر حساسية سياسياً واقتصادياً من السابق.

الرسوم لم تنتهِ.. لكنها فقدت شكلها الصاخب

القول إن «يوم التحرير» لم يحطم التجارة العالمية لا يعني أن ملف الرسوم أُقفل.

على العكس، يبدو أن 2026 قد يكون عاماً حافلاً بإجراءات جديدة، لكن بطابع مختلف. فبعد حكم المحكمة العليا، فتحت الإدارة الأميركية سلسلة من التحقيقات الجديدة بموجب المادة 301، طاولت شركاء يمثلون نحو 99% من الواردات الأميركية، كما تتواصل تحقيقات أخرى بموجب المادة 232 في قطاعات حساسة مثل الأدوية، والطائرات التجارية، والمعادن الحرجة، والآلات الصناعية، والمنتجات الطبية.

ما يوحي به هذا المسار هو أن واشنطن لا تتخلى عن النزعة الحمائية، لكنها قد تنتقل من التهديدات الواسعة والصاخبة إلى مقاربة أكثر تجزئة وانتقائية، تقوم على رسوم أكثر دقة، وأقل صدمة للأسواق، وأكثر قابلية للتسويق داخلياً.

وهذا منطقي سياسياً.

فترامب، وهو يقترب من استحقاقات انتخابية وسط ضغوط على شعبيته وتزايد التركيز الشعبي على الأسعار والاقتصاد، لا يملك رفاهية فرض كلف جديدة كبيرة على المستهلك الأميركي، خصوصاً بعدما جاءت صدمة الطاقة المرتبطة بالحرب الإيرانية لتضاعف الحساسية تجاه أي سياسة قد ترفع الأسعار أكثر.

ما الذي تعلمه العالم بعد سنة؟

ربما الدرس الأوضح بعد عام على «يوم التحرير» هو أن التجارة العالمية لم تعد هشة بالقدر الذي افترضه كثيرون، لكنها أيضاً لم تعد تسير وفق المسارات القديمة نفسها.

الرسوم الأميركية أحدثت ضجيجاً هائلاً، وأربكت الأسواق، وأجبرت الشركات على إعادة التفكير في خرائط الموردين. لكنها لم تكسر النظام التجاري العالمي. الذي حدث، في جوهره، هو أن التجارة تكيّفت أسرع من السياسة، وأن سلاسل الإمداد أعادت تشكيل نفسها بوتيرة فاقت كثيراً سرعة الشعارات.

العالم لم يعد في زمن العولمة الافتراضية، صحيح، لكنه لم يدخل أيضاً زمناً من الانغلاق الكامل.

نحن أمام مرحلة وسطى؛ رسوم أعلى من السابق، مرونة أكبر في إعادة توجيه التجارة، اعتماد متزايد على الشركاء البدلاء، وحروب تجارية لا تنفجر دفعة واحدة بقدر ما تتسرب في طبقات. وهذا ربما ما يفسر لماذا لم يقع الانهيار الذي خشيه كثيرون قبل عام.

لقد أصيبت التجارة العالمية بالرضوض، لكنها لم تُكسر.

أما الولايات المتحدة، فلم تنجح في إعادة تشكيل العالم بقرار جمركي واحد، لكنها نجحت في دفعه إلى إعادة التموضع. وبين الصدمة الأولى والواقع الحالي، تبدو الخلاصة أكثر هدوءاً وأشد دلالة - ما بعد «يوم التحرير» لم يكن نهاية التجارة العالمية، بل بداية نسخة أكثر تشظياً، وأكثر براغماتية.

 

خاص_الفابيتا