هل العالم على أعتاب ركود تضخمي؟

02/04/2026 0
طلعت بن زكي حافظ

في ضوء التقلبات الاقتصادية العالمية الحادة، وبخاصة تلك المرتبطة باستدامة مصادر الطاقة، والتي تتسم بطابع غير مسبوق في القرن الحادي والعشرين، مدفوعة بتنامي الصراعات الجيوسياسية والتنافس الاقتصادي والحروب التجارية بين القوى الكبرى، تبرز تحولات عميقة وعنيفة تختلف في طبيعتها وحدّتها عن الأزمات الاقتصادية التاريخية السابقة، وفي هذا السياق، تتزايد التقديرات التي ترجّح دخول الاقتصاد العالمي في مرحلة ركود تضخمي.

وكما يبدو، فإن فجوة إشكالية أزمة إمدادات الطاقة الراهنة آخذة في الاتساع في ظلّ تصاعد الصراع العسكري في المنطقة بين الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، الأمر الذي أسهم في تعقيد المشهد بشكل مضاعف، ويتجلى ذلك بوضوح في تهديدات إيران بإغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة العالمية، وتبرز في هذا السياق الأهمية الجيو اقتصادية لمضيق هرمز باعتباره أحد أهم الممرات البحرية العالمية لتأمين إمدادات الطاقة، إذ يمرّ عبره نحو 17 - 20 مليون برميل نفط، ما يعادل تقريباً 20 % من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المُسال عالميًا، لا سيما المتجهة نحو اقتصادات شرق آسيا.

وانطلاقًا من ذلك، وفي ظلّ التقلّبات المتسارعة التي تطبع النظام الاقتصادي العالمي، تتزايد المخاوف من احتمال دخول الاقتصاد العالمي في مرحلة ركود تضخمي، قد تفوق في عمقها وتأثيراتها الأزمة المالية العالمية التي حلت بالعالم في منتصف عام 2008 وجائحة فيروس كورونا المستجد 2020، ولربما تتسم بدرجة أعلى من القسوة والتعقيد.

كما وأسهمت الإجراءات التجارية الحمائية وارتفاع الرسوم الجمركية المتبادلة في زيادة الضغوط على الأسواق العالمية، فضلًا عن تفاقم أزمة الديون العالمية التي تُقدَّر بنحو 350 تريليون دولار، الأمر الذي يضيف مزيدًا من التعقيد إلى المشهد الاقتصادي الدولي.

وفي هذا الإطار، لا تقتصر التداعيات المحتملة على أسواق الطاقة فحسب، بل تمتد لتشمل سلاسل الإمداد العالمية، لا سيما تلك المرتبطة بالأسمدة والمنتجات الكيميائية الحيوية الأساسية، مما يزيد من تعقيد سلاسل الإمداد ويُحدث اضطرابات في أسواق السلع الأساسية، وتبرز في هذا السياق أهمية الأسمدة بوصفها عنصرًا حيويًا للإنتاج الزراعي، إذ إن أي خلل في تدفقها قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج الغذائي عالميًا، بما ينذر بحدوث أزمة غذاء عالمية، خاصة في الدول الأكثر هشاشة.

كما وتتجاوز أهمية هذه السلاسل المواد الزراعية لتشمل موارد إستراتيجية أخرى، من أبرزها غاز الهليوم والمواد الكيميائية المكرّرة، التي تُعدّ عناصر أساسية في العديد من الصناعات الحيوية، فغاز الهليوم يُستخدم في مجالات متقدمة مثل الصناعات الطبية، وأشباه الموصلات، وتقنيات الفضاء، مما يجعله موردًا نادرًا وحيويًا للاقتصاد العالمي. أما المواد الكيميائية المكرّرة، فتدخل في إنتاج الأسمدة والبتروكيماويات والمواد الصناعية الأساسية، وتشكل ركيزة رئيسية في سلاسل الإنتاج العالمية. ومن ثم، فإن أي اضطراب في إمدادات هذه المواد قد يؤدي إلى تعطّل قطاعات صناعية وزراعية واسعة، ويزيد من حدة الضغوط التضخمية.

كما تتزايد التقديرات التي تشير إلى احتمال ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قد تصل إلى 200 دولار للبرميل، إلى جانب ارتفاع أسعار المواد الكيميائية المُعالجة، وهو ما من شأنه أن يفاقم الضغوط التضخمية على المستوى العالمي، وفي حال تزامن ذلك مع تباطؤ النمو الاقتصادي، فقد يجد الاقتصاد العالمي نفسه أمام حالة «الركود التضخمي»، وهي حالة اقتصادية معقدة تجمع بين ارتفاع معدلات التضخم وضعف النمو أو انكماشه، بما يحدّ من فعالية السياسات الاقتصادية التقليدية ويُصعّب من معالجتها، وتُسهم هذه التشابكات الاقتصادية المعقدة في خلق حالة متزايدة من القلق وعدم اليقين لدى المستثمرين بشأن مسار الاقتصاد العالمي، كما تعزز من احتمالات حدوث انكماش اقتصادي واسع النطاق قد تتجاوز آثاره حدود اقتصادات الدول، ليصبح مهددًا للاستقرار الاجتماعي والمعيشي لملايين البشر حول العالم.

وفي مواجهة هذه التحديات، يبرز دور المملكة العربية السعودية بوصفها أحد الفاعلين الرئيسيين في تعزيز أمن الطاقة العالمي والتخفيف من اضطرابات سلاسل الإمداد، وذلك من خلال استثماراتها الإستراتيجية طويلة الأمد، وعلى رأسها خط أنابيب شرق - غرب، الذي جرى تطويره عبر استثمارات ممتدة لنحو خمسين عامًا، وقد أصبح هذا الخط ركيزة أساسية في منظومة نقل الطاقة، إذ تصل طاقته الاستيعابية القصوى إلى نحو 7 ملايين برميل يوميًا، ويمتد على مسافة تقارب 1200 كيلومتر، ما يتيح نقل النفط من المنطقة الشرقية إلى موانئ البحر الأحمر، متجاوزًا الممرات البحرية الحساسة، وفي مقدمتها مضيق هرمز، ويمنح ذلك المملكة قدرة إستراتيجية عالية على ضمان استمرارية تدفق الإمدادات النفطية إلى الأسواق العالمية، لا سيما في أوقات الأزمات والتوترات الجيوسياسية، كما ويُسهم بشكل مباشر في تعزيز استقرار أسواق الطاقة العالمية والحدّ من تقلباتها.

 

نقلا عن الرياض