إدارة الأزمات.. والمهمات الصعبة

18/03/2026 0
د.عبد الوهاب بن سعيد القحطاني

ليس كل مديرٍ قائدًا، وليس كل قائدٍ مديرًا؛ لأن مواجهة المواقف والأزمات تحتاج إلى قيادةٍ موقفية قادرة على التفاعل مع متغيرات غير عادية.

عام 1981م يُعد من أسوأ الأعوام بالنسبة لشركة كرايسلر لصناعة السيارات، حيث تدنّى حجم المبيعات والأرباح، وأوشكت الشركة على الإفلاس تحت الفصل السابع من قانون الإفلاس الأمريكي، المعروف بالإفلاس بالتصفية عن طريق المحكمة، وذلك ببيع بعض الأصول لسداد الدائنين، ثم إلغاء معظم ما تبقى منها.

كانت حكومة الرئيس ريغان أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تترك الشركة تعلن إفلاسها بالكامل، كبقية الشركات الأمريكية التي لا تستطيع الاستمرار على هذا النحو الضعيف من الأداء، أو أن تتدخل وتنقذها من الإفلاس من خلال تمويلها، حتى لا تنتهي الشركة العملاقة إلى الإفلاس، وما يترتب على ذلك من تسريح نحو مائةٍ وعشرين ألف موظف، لينضموا إلى نظام الضمان الاجتماعي الذي يوفر للعاطلين عن العمل دعمًا ماليًا ميسرًا أثناء بحثهم عن عملٍ جديد.

اجتمع الرئيس ريغان بكبار مستشاريه الاقتصاديين والقانونيين لإنقاذ الشركة، من خلال تغيير القيادة الإدارية في قمة الهرم الإداري المترهل، حيث تم البحث عن قائدٍ مؤثر لإدارة الأزمة وإنقاذ كرايسلر من الإفلاس.

وقع الاختيار الموفق على منقذ الشركات من الإفلاس، لي آيا كوكا «Lee Iacocca»، الذي أسهم في إنقاذ عددٍ من الشركات الأمريكية من التعثر. عُرف لي آيا كوكا بأنه قيادي حازم وذكي، لا يقبل الفشل ولا يتنازل عن النجاح مهما كانت التحديات، وهو شخص موهوب ومؤثر في تعامله مع الآخرين.

وإذا كان العالم يصفه بمهندس النجاح، فإنني أراه منقذًا من الأزمات والإفلاس.

تسلّم لي آيا كوكا مقاليد إدارة شركة كرايسلر، وتحدث في أول اجتماع مع الموظفين عن خطةٍ شاملة لإنقاذ الشركة، وكان خطابه واضحًا ومحددًا وهادفًا وشفافًا لا يقبل التأويل. وقال: من أراد البقاء معي في هذه الشركة فعليه أن ينسى الماضي ويتحمل تحديات النجاح، إذا كان يرغب في بعثٍ جديد لكرايسلر والحفاظ على وظيفته فيها.

كما تخلّص من الإدارة السابقة وبعض القيادات التي رأى أنها كانت سببًا في تعثر الشركة، خاصة عندما شعر بمحاولاتهم مقاومة خطة التغيير الشاملة.

اقترضت كرايسلر من بنك كونتيننتال بولاية إلينوي لسنواتٍ عديدة قبل قدوم لي آيا كوكا، حتى أوشك البنك نفسه على الإفلاس بسبب تعثر الشركة في سداد التزاماتها. وقد شكّلت ديون كرايسلر عبئًا كبيرًا على السيولة النقدية.

إلا أن لي آيا كوكا استطاع، بتوفيقٍ من الله ثم بحكمته وسداد رأيه، تسديد القروض للبنك، وكذلك سداد القرض الفيدرالي الذي حصلت عليه الشركة من الحكومة لدعم استمرارها في سوق صناعة السيارات، وذلك خلال مدةٍ قياسية جعلته من أبرز القادة المؤثرين في هذا القطاع.

وقد واجه التحديات بثقةٍ عالية، حين أعلن أن راتبه في السنة الأولى سيكون دولارًا أمريكيًا واحدًا فقط، مشترطًا تحقيق النجاح في إنقاذ الشركة مقابل راتبٍ مجزٍ في السنوات التالية، وهو ما تحقق لاحقًا عندما حصل على نحو عشرين مليون دولار سنويًا.

كما أحدث تغييرات كبيرة في ديناميكية وتصاميم سيارات كرايسلر، مما أسهم في زيادة مبيعاتها في اليابان ودولٍ أخرى، وركّز على إنتاج السيارات الصغيرة الاقتصادية لتعزيز القدرة التنافسية للشركة.

ولم يكن نجاح خطة الإنقاذ مستغربًا على قائد أزماتٍ بهذا المستوى، إذ أقنع الرئيس ريغان بضرورة الضغط على الحكومة اليابانية لزيادة فرص تسويق سيارات كرايسلر، مع تطوير التصاميم لتناسب الطرق هناك، وتحسين كفاءة استهلاك الوقود.

الخلاصة:

قادة الأزمات والمهمات الصعبة ليسوا كغيرهم من القادة.

 

نقلا عن صحيفة اليوم