رمضان بين الإسراف وحفظ النعمة

01/03/2026 0
طلعت بن زكي حافظ

في المملكة العربية السعودية، وفي سائر الدول الإسلامية والدول التي يتواجد فيها مسلمون حول العالم، يعيش المسلمون أجواء شهر رمضان المبارك المفعمة بالطمأنينة والسكينة، حيث تتجدد معاني الحياة والإنسانية والعطاء، ويستحضر جميع المسلمين مقاصد الصيام السامية التي لا تقتصر على الامتناع عن الطعام والشراب، بل تمتد إلى تهذيب النفس وتزكيتها، وتعزيز قيم الصبر والتراحم والانضباط.

ومع ذلك، فإن أحد أهم الجوانب التي يجب التركيز عليها خلال هذا الشهر الفضيل هو الاعتدال في الأكل والمشرب. حيث إن الاعتدال في المأكل والمشرب، لا يحمي الفرد من الإسراف فحسب، بل يسهم في تعزيز الصحة العامة، ويقي الصائم -بإذن الله- من الإصابة بأمراض العصر المزمنة المرتبطة بالإفراط في الطعام والشراب، مثل ارتفاع نسبة الكوليسترول الضار في الدم، ومرض السكري، وأمراض السمنة وغيرها من المشاكل الصحية.

كما أن الاعتدال في المأكل والمشرب، يَحد من مشاكل الهضم والكسل الناتج عن الإفراط في الطعام، ويحفظ الموارد الغذائية، ويحد من هدرها الذي يشكل عبئًا اقتصاديًا وبيئيًا عظيمًا على الاقتصاد العام وعلى ميزانيات العوائل والأسر.

وباتباع مبادئ الاعتدال والاعتراف بقيمة النعمة التي أنعم الله بها علينا، يُمكن للمسلم أن يحقق الاستفادة الكاملة من الصيام كعبادة تغذي الروح والجسد معًا، وتُترجم قيم الصيام إلى سلوكيات عملية تعود بالنفع على الفرد والمجتمع على حد سواء.

إن الشهر الفضيل ليس مجرد فترة زمنية نمتنع فيها عن الطعام لساعات محددة، بل هو مدرسة إيمانية متكاملة تُعلّم الإنسان كيف يضبط سلوكياته، ويوازن بين إنفاقه واحتياجاته من المأكل والمشرب، بما يحقق المحافظة على النعمة ويصونها من الهدر، لكيلا ينتهي بها المطاف في صناديق النفايات.

إن إكرام النعمة وحسن تدبيرها ليس سلوكًا حضاريًا فحسب، بل هو واجب ديني وأخلاقي يحفظها من الزوال ويجعل شكرها عمليًا قبل أن يكون قولًا.

لقد أراد الإسلام من الصيام أن يكون تدريبًا عمليًا على الاقتصاد في الاستهلاك، واستشعار قيمة النعمة، وتعزيز الشعور بمعاناة المحتاجين، ولذلك جاء التوجيه القرآني والرباني الواضحين: "وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا"، ليؤسس لمنهج متكامل في التعامل مع الطعام والشراب، يقوم على التوازن والوعي والمسؤولية.

فالاعتدال في المأكل والمشرب في شهر رمضان ليس خيارًا صحيًا فحسب، بل هو متطلب والتزام ديني، للمحافظة على الصحة العامة، وتجنب الهدر الغذائي، وبالذات حين النظر إلى حجم الهدر الغذائي في المملكة العربية السعودية، الذي يكلف المملكة 40 مليار ريال سنوياً، وفقًا لبيانات رسمية، فيما تبلغ نسبة الغذاء المهدر أكثر من 33 %.

وفي هذا السياق، أطلقت وزارة البيئة والمياه والزراعة، بالتعاون مع المؤسسة العامة للحبوب - التي تحولت لاحقًا إلى هيئة العامة للأمن الغذائي - حملة رسمية تحت شعار #احفظها_لتدوم، والتي هَدِفت إلى التوعية المجتمعية بأهمية التوازن في شراء المواد الغذائية، مع التأكيد بأن الجميع مسؤول عن ظاهرة الهدر الغذائي وآثارها السلبية على الصحة والبيئة والاقتصاد.

وهدفت الحملة أيضًا إلى رفع مستوى الوعي المجتمعي بمفهوم الفقد والهدر الغذائي، وتقديم إرشادات عملية تساعد على الاستفادة من فائض الطعام، إلى جانب تشجيع الأفراد على مشاركة تجاربهم وممارساتهم اليومية في حفظ النعمة وتجنب إهدارها، بما يسهم في ترسيخ ثقافة مجتمعية قائمة على المسؤولية والاعتدال.

ووفقًا للدراسة، التي شملت 19 سلعة غذائية قُسمت إلى ثماني مجموعات، بلغ متوسط ما يهدره الفرد في المملكة نحو 184 كيلوجرامًا سنويًا. وأظهرت نتائج التحليل - التي استندت إلى 3700 عينة - أن الدقيق والخبز يتصدران قائمة الأصناف الأكثر هدرًا بواقع 917 ألف طن سنويًا، يليهما الأرز بنحو 557 ألف طن.

كما وبلغ إجمالي هدر اللحوم 22 ألف طن سنويًا، إلى جانب 13 ألف طن من لحوم الإبل، و41 ألف طن من لحوم الأبقار، و444 ألف طن من لحوم الدواجن، فيما يصل الهدر في الأسماك إلى 69 ألف طن سنويًا. أما الخضروات، فقد تجاوز حجم الهدر فيها 335 ألف طن سنويًا، دون احتساب أصناف بعينها مثل الكوسا التي يبلغ هدرها 38 ألف طن، أو البطاطس التي يتجاوز هدرها 200 ألف طن سنويًا.

وأكدت الوزارة أن شراء المنتجات الغذائية بكميات تفوق الحاجة وتخزينها لفترات طويلة يؤدي إلى تلفها أو انتهاء صلاحيتها، ما يفاقم أرقام الهدر الغذائي، ويحرم الآخرين من الاستفادة منها، ويشكل عبئًا اقتصاديًا غير مبرر على الأسر والمنتجين الزراعيين.

وشددت الوزارة على أن تحقيق الاستهلاك الواعي والمسؤول يبدأ من الفرد، من خلال التخطيط السليم للشراء، وتقدير الكميات وفق الحاجة الفعلية، وحسن إدارة الفائض بما يضمن الاستفادة منه وعدم إهداره.

كما ودعت، بالتعاون مع الجهات المشاركة في الحملة، إلى ترشيد الاستهلاك، مستندة في ذلك إلى التوجيهات الربانية التي تنهى عن الإسراف وتحث على شكر النعم، في انسجامٍ واضح مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 الرامية إلى الحفاظ على الموارد، وتقليل الهدر، وتعزيز الاستدامة.

 

نقلا عن الرياض