هل ما يزال التعليم باللغة العربية في المراحل الأولية مجدٍ في عصر التحول الرقمي والعولمة والذكاء الاصطناعي؟ ولماذا لا نجعل اللغة الأولى للتعليم هي الإنجليزية بدءاً من مرحلة الطفولة المبكرة؟ ألن يمكّن تعليم اللغة الإنجليزية وإتقانها طلابنا وطالباتنا من الحصول على فرص وظيفية أفضل؟ إن الذين يفضّلون التعليم باللغة العربية يُرجِعُون ذلك غالباً لأسباب ثقافية واجتماعية ودينية ووطنية، ومن يفضل التعليم باللغة الإنجليزية يُرجِعُ تفضيله لأسباب اقتصادية. وهناك من يرى الموازنة في التعليم بين اللغتين.
ولكن هل لقَصْرِ التعليم على اللغة الأم في مرحلة الطفولة المبكرة تأثير على تعلم اللغة الإنجليزية وإتقانها، وعلى الأداء الاقتصادي؟ رأينا في مقالة سابقة من هذه السلسلة كان عنوانها: "التعليم في المملكة العربية السعودية: إتقان اللغة الإنجليزية" أن الدول العشرة الأولى في إتقان اللغة الإنجليزية – بحسب اختبار The EF Standard English Test – هي: هولندا، فسنغافورة، فكرواتيا، فالدانمارك، فالنمسا، فجنوب أفريقيا، فبلجيكا، فبولندا، فالمجر، فكينيا.
من هذه الدول، سنغافورة فقط تعتمد اللغة الإنجليزية لغة أساسية في التعليم من مرحلة الطفولة المبكرة، بالتوازي مع اللغة الأم للأطفال مثل: الماندرين والتاميل، في حين يتعلم الطلاب بلغتهم الأم حصراً في جنوب أفريقيا وكينيا في سن الطفولة المبكرة ثم ينتقلون تدريجياً إلى اللغة الإنجليزية بعد سن الثامنة. أما التعليم من مرحلة الطفولة المبكرة وحتى سن الثامنة في الدول السبع الأخرى فباللغة الأم حصراً. إن قَصْر التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة على اللغة الأم لم يؤثر سلباً على إتقان اللغة الإنجليزية لهذه الشعوب، ولا على تقدمها الاقتصادي والتقني والصناعي (مثل: هولندا والدانمارك والنمسا وبلجيكا).
فماذا تفيدنا الأبحاث المفصلة والتجارب الطويلة والخبرات؟ سنحاول في هذه المقالة الإجابة عن هذا السؤال بالتركيز على القيمة الاقتصادية لاستخدام اللغة الأم حصراً في تعليم الأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة، وهذا لا يتعارض مع أهمية اللغة الأم للهوية الوطنية والثقافية والاجتماعية والدينية. إن استخدام اللغة الأم حصراً في تعليم الأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة له قيمة اقتصادية مضافة أثبتتها دراسات موسّعة في بلدان مختلفة، ويعود ذلك لعدد من الأسباب نكتفي باثنين رئيسين منها تجنباً للإطالة:
أولاً: تعظيم عائد الاستثمار في التعليم
تُجمع كل الدراسات والأبحاث على أن تعليم الأطفال الصغار باللغة الأم يحقّق أعلى عوائد ممكنة من الإنفاق على التعليم للأسباب التالية:
•يكتسب الأطفال المهارات الأساسية، مثل: القراءة والحساب، أسرع بكثير من أقرانهم الذين يتعلمونها بلغة أجنبية.
•حتى عندما يتحدث الوالدان مع الطفل منذ ولادته بلغة غير لغتهما الأم، فإن المفردات التي يتعلمها الطفل باللغة الأجنبية محدودة مقارنة بالمفردات التي يتعلمها بلغته الأم في بيئته التي يعيش فيها، فينتج عن ذلك فقدان التعلّم (Learning loss) في المهارات الأساسية.
•عندما يضطر الطفل إلى تعلم لغة جديدة ومفهوم جديد (مثل: الرياضيات) في آن واحد، فإن العمق المعرفي لديه سيكون أقل من الطفل الذي يتعلّم باللغة الأم ويركّز 100% على تعلم المفهوم الجديد.
•عندما يتعلّم الصغار بلغتهم الأم تنخفض معدلات الرسوب والتسرب، فينتج عن ذلك تقليل الهدر في منظومة التعليم بشكل كبير.
ثانياً: الأهمية الاقتصادية للتطوير المعرفي (Cognitive Development)
إن سنوات الطفل الأولى هي الأكثر أهمية لتطوّر قدراته العقلية، ولِلُغة التعلّم أثر محوريّ على مستقبل الطفل الاقتصادي لعدد من الأسباب، منها:
•خلافاً للاعتقاد بأن تعريض الصغير للغة أجنبية أفضل للنمو العقلي للطفل، أظهرت الأبحاث التي أجرتها جهات عالمية مثل: جامعة تورونتو (د. جيم كومينز) واليونيسكو واليونيسيف، أن التأسيس المتين باللغة الأم يجعل تعلم لغة ثانية أو ثالثة أسهل وأسرع.
•عندما يتمكن الأطفال من التعبير عن أنفسهم بحرية بلغتهم الأم، فإن قدرتهم على التفكير التحليلي والإبداع تكون أفضل ممّن تكون قدرتهم التعبيرية قاصرة لمحدودية المفردات التي تعلموها باللغة الأجنبية، ولهذه المهارات الناعمة أهمية كبيرة في سوق العمل، ومن أهمها التواصل الفعال.
إن تعليم الأطفال الصغار بلغتهم الأم قرارٌ اقتصاديٌ بالدرجة الأولى، بالإضافة لأبعاده الثقافية والوطنية والاجتماعية والدينية، فهو يقلل من الهدر في التعليم، ويساعد على تطوير رأس المال البشري، ويمكّن شريحة أكبر من الطلاب من المساهمة في الحراك الاقتصادي والتنمية. ولقد تأكّد هذا من عدد كبير من الأبحاث المحكّمة، التي يستخدم معظمها الأدلة التجريبية (Empirical Evidence) التي تقيس التأثيرات الاقتصادية طويلة المدى لسياسة التعليم اللغوية لمجموعة من المدارس أو مناطق تعليمية محددة. ونشير فيما يلي إلى عدد من هذه الدراسات:
•إثيوبيا: أُجريت دراسات مكثفة على امتداد سنين طويلة لإصلاح التعليم عام 1994 الذي حوّل التعليم في المدارس إلى اللغة الأم. فقد أظهرت هذه الدراسات أن الأطفال الذين تعلّموا باللغة الأم كانوا أكثر قدرة على القراءة بنسبة 40% وأن هذه المهارات المحسنة تُرجمت في سوق العمل، كما أوضحت أن احتمال إكمال الدراسة الابتدائية زاد بنسبة تتراوح بين 7% إلى 28% لأولئك الذين درسوا باللغة الأم.
•مالي: وجدت دراسة دعمها البنك الدولي أن الطلاب في فصول اللغة الأم كانوا أقل عرضة لتكرار السنة الدراسية بخمس مرات، وأقل عرضة للتسرب بثلاث مرات. وخلصت الدراسة إلى أن برامج اللغة الأم تكلف أقل بنسبة 27% للحصول على الشهادة الابتدائية مقارنة ببرامج الانغماس التقليدية في اللغة الفرنسية بسبب تقليل الهدر الناتج عن التكرار والتسرب.
•زامبيا: أظهرت الدراسات وجود علاقة سلبية قوية بين استخدام لغة رسمية مختلفة عن اللغة الأم للطفل وبين مؤشر التنمية البشرية، وأن باعتماد لغة محلية رئيسة (من اللغات الأم للقبائل الكبرى) لغة للتعليم بدلاً من الإنجليزية، يمكن التقدم أكثر من 40 مركزًا في التصنيف العالمي لمؤشر التنمية البشرية.
•جنوب أفريقيا والهند: تظهر الأبحاث في هاتين الدولتين أنه عندما يتعلم الأطفال مهارات القراءة والكتابة بلغتهم الأم أولاً فإن الفجوة بين خريجي المدارس النخبة والمدارس الفقيرة تتقلص إلى النصف.
ولقد أظهرت بعض الدراسات، في أوزبكستان والفلبين على سبيل المثال، أن تحديات التنفيذ، مثل: قلة عدد المعلمين، يمكن أن تقلل من مكاسب التعليم باللغة الأم، ولكن هناك إجماع بحثيّ على أن التعليم باللغة الأم للطفل حصراً هو الطريقة الأكفأ لبناء رأس المال البشري، والأفضل لتوجيه الاستثمار، من حيث العائد الاقتصادي على الإنفاق على التعليم.
ونرى في ختام هذه المقالة أهمية دراسة "التعليم باللغة الأم من مراحل الطفولة المبكرة إلى سن الثامنة" ضمن السياق الوطني والثقافي للمملكة العربية السعودية، بالتركيز على القيمة الاقتصادية المضافة للتعليم باللغة العربية حصراً للناطقين بها، ومن ثمّ سنّ السياسة المناسبة لذلك وتطبيقها.
خاص_الفابيتا


