تأثير التغذية على الأداء الأكاديمي للطلاب

14/01/2026 0
د. إبراهيم بن محمود بابللي

تُظهر الأبحاث وجود علاقة مباشرة وطردية بين جودة التغذية وبين الأداء الأكاديمي. ومع تغيّر الأنماط الاجتماعية والسلوكية والغذائية التي أثّرت على خيارات التغذية للطلاب، وتوفر خدمات التوصيل التي جعلت أنواع الوجبات المختلفة في متناول الجميع، ظهر تغيّرٌ ملموس في تعامل الأسرة مع خيارات التغذية، بعضها إيجابي وبعضها قد لا يكون كذلك. هذه التغيرات واضحة ومعروفة للجميع، ولكن هل لهذه الخيارات أثرٌ على الأداء الأكاديمي؟

تحظى العلاقة بين العادات الغذائية والنجاح الأكاديمي باهتمام متزايد في مجالي الصحة العامة والتعليم، وتشير الأبحاث إلى أن جودة النظام الغذائي تعد عاملاً رئيساً في التطور المعرفي والأداء المدرسي للطالب، والعكس صحيح. فقد ثبت أن الاستهلاك المتكرر للوجبات السريعة والأطعمة المعالجَة (Ultra-processed foods) يتسبب في تراجع الأداء الأكاديمي للطلاب، خاصة الأطفال والمراهقين.

كما أوضحت الدراسات أن تناول الوجبات السريعة مرة واحدة على الأقل في الأسبوع له تبعاتٌ سلبية على المدى الطويل. فعلى سبيل المثال، أوضحت دراسة أُجرِيَت على 8,500 (ثمانية آلاف وخمسمائة) طالب في الصف الخامس الابتدائي يتناولون كميات كبيرة من الوجبات السريعة، واستمرت متابعتهم إلى الصف الثامن، أن مهارات القراءة والرياضيات والعلوم لديهم أضعف من أقرانهم الذين لا يتناولون الوجبات السريعة. كما ارتبط الاستهلاك المتكرر للوجبات السريعة (4-6 مرات أسبوعياً) بانخفاض الدرجات بنسبة تصل إلى 20% في المواد الأساسية، مثل: الرياضيات، مقارنة بالذين لا يتناولونها.

وسلطت الدراسات الحديثة الضوء على الدور الضار للأطعمة المعالجَة، مثل: الأصناف الغنية بالإضافات الاصطناعية، والمواد الحافظة، والسكر، والدهون النباتية، فأظهرت أن الطلاب في المرحلة المتوسطة الذين يتناولون كميات أكبر من هذه الأطعمة يحصلون على درجات أقل في الرياضيات واللغة الإنجليزية. ويُعزى هذا التأثير إلى الاختلال الغذائي (Nutritional imbalance) الذي تسببه هذه الأطعمة، فهي توفر طاقة عالية ولكنها تفتقر إلى العناصر الغذائية الضرورية، مثل أحماض أوميغا-3 المهمة لتطور الدماغ والوظائف الإدراكية، وفيتامين ب1 (الثيامين) الذي ارتبط نقصه بزيادة الغضب والسلوك العدواني لدى المراهقين. في المقابل، يُظهِر الطلاب الذين يتناولون أطعمة تحوي العناصر الغذائية اللازمة للمرحلة العُمُرية، مشاركةً أفضل في الفصل الدراسي، وتحسناً في السلوك، ومعدلات حضور أعلى، وإنجازاً أفضل للواجبات المدرسية، وأداءً أكفأ في الاختبارات.

كيف نفسّر التأثير السلبي لهذه الأطعمة على الأداء الأكاديمي للطلاب؟ أظهرت الأبحاث الطبية التي استمرت سنوات طويلة عدداً من العوامل المؤثرة، نذكر أهمها باختصار:

  • • تؤثر الوجبات السريعة والأطعمة المعالجَة على "الحُصَيْن" (Hippocampus)، وهو منطقة الدماغ المسؤولة عن الذاكرة الزمنية والمكانية.
  • • تؤثر هذه الأطعمة سلباً على قدرة المخ على تنشيط الذاكرة عند وجود ضغوطات ومؤثرات، مثل: أداء الاختبارات، مما يُصَعِّب على الطلاب الاحتفاظ بالمعلومات واسترجاعها.
  • • يتسبب المحتوى العالي من السكر في تغيرات سريعة في مستويات السكر في الدم، مما يؤدي إلى زيادة الشعور بالإرهاق، وانخفاض اليقظة، وضعف التركيز داخل الفصل الدراسي.
  • • يرتبط الاستهلاك الكبير للأطعمة المعالجَة بالالتهابات المزمنة الخفيفة (Systemic inflammation)، التي يمكن قد تتسبب في رداءة نوعية النوم، وتدهور بعض وظائف الدماغ وتؤثر على الوعي الإدراكي.

ولا يقتصر أثر هذا النمط من التغذية على الجانب الصحي، بل يمتد إلى الجانب النفسي والاجتماعي، إذ يقترن استهلاك الوجبات السريعة بتحوّلٍ باتجاه عادات غذائية سيئة، مثل: عدم انتظام أوقات الوجبات، أو إهمال وجبة الإفطار التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالحصول على درجات منخفضة، كما تزداد السِمنَة بين مُكثِري الوجبات السريعة، فتتسبب في ضغط نفسي واجتماعي له أثر بيّن على الأداء الأكاديمي. ولقد لوحِظَ أن الالتزام بنظام غذائي مناسبٍ وصحيّ يظهرُ أثرُه في رفع كفاءة التحصيل وأداء الاختبارات، ولكن لا يؤدي بالضرورة إلى انخفاض سريع في معدلات السمنة، مما يوحي بأن الفوائد المعرفية للتغذية قد تظهر بسرعة أكبر من التغيرات البدنية.

إن الأبحاث والدراسات التي استشهدنا بها أعلاه أُجرِيَت في المملكة العربية السعودية وباكستان وإسبانيا وكوريا الجنوبية وعدد من الدول الأخرى. ومع تباين هذه ا لدول في عاداتها وأنماط التغذية فيها، وأنواع المأكولات المفضّلة لدى صغار السن، إلا أنها تؤكد بوضوح أن التغذية الجيدة والمتوازنة ركيزة أساسية للنجاح الأكاديمي، وأن تقليل تناول الوجبات السريعة والأطعمة المعالجَة، ضروري لدعم النمو المعرفي والتحصيل العلمي للأجيال.

كيف تستطيع منظومة التعليم التعامل مع هذا الأمر؟ أحسب أن الجواب يشمل عناصر توعوية وأُسَريّة وصحّيَة وتسويقية واجتماعية وتعليمية، ويتطلب التعامل معها كلها – بتوازن – صياغة سياسة تقودها وزارة التعليم تُرشد أصحاب المصلحة للطُرق الأمثل لتحسين جودة الطعام للطلاب، خاصة في المراحل الدراسية الأولى، ولعل هذا – إن تحقق – يكون أفضل استثمار طويل الأجل لمنظومتي التعليم والصحة على وجه الخصوص.

 

خاص_الفابيتا