تقاطع الشؤون العائلية والإدارية في الشركات العائلية

12/01/2026 0
راضي الحداد

من خلال عملي في شركة راضي للاستشارات مع عدد من الشركات العائلية، يبرز تحدٍ متكرر يتمثل في تداخل الشؤون العائلية مع القرارات الإدارية والتشغيلية. هذا التداخل، وإن كان في كثير من الأحيان نابعاً من حسن نية أو حرص عائلي، يؤدي عملياً إلى ضبابية في الرؤية، وتذبذب في القرار، وضعف في المساءلة، وهو ما ينعكس مباشرة على الأداء والاستدامة.

تكمن الإشكالية الرئيسة في غياب الفصل الواضح بين العلاقة العائلية بوصفها رابطة اجتماعية وإنسانية، والعلاقة المؤسسية التي يجب أن تُدار وفق أطر تنظيمية واضحة، بغض النظر عن صلة القرابة.

التنظيم كركيزة للحوكمة لا كإجراء شكلي

في التراث الديني، نجد حضوراً قوياً لمفاهيم التنظيم والتدبير وضرورة الفهم قبل اتخاذ القرارات باعتبارها ضرورة الإدارة السليمة. ويُعد هذا الإرث مصدر إلهام مهم لفهم أن النظام ليس قيداً، بل أداة تمكين.

يقول الإمام علي (عليه السلام):

"التدبير قبل العمل يؤمنك من الندم".

ويقول: (يا كميل ما من حركة إلا وأنت محتاج فيها إلى معرفة)، وهذا المعنى يتقاطع تماماً مع ما قاله المفكر الإداري Peter F. Drucker:

"There is nothing so useless as doing efficiently that which should not be done at all."

"لا شيء أكثر خطورة من تنفيذ قرار خاطئ بكفاءة عالية".

وهي قاعدة إدارية صريحة تؤكد أن وضوح التخطيط وتحديد الصلاحيات يسبق التنفيذ، ويقلل من الأخطاء والتداخلات. كما يؤكد (ع) في موضع آخر على أن حسن الإدارة لا يعني كثرة التدخل، بل وضوح الإطار الذي يعمل داخله الجميع. وفي الشركات العائلية كثيراً ما تتخذ قرارات سريعة تفتقر إلى التحليل والمعرفة فتكون نتائجها مكلفة على المدى المتوسط والطويل. ليس المهم أن ننجز العمل، بل الأهم أن ننجز العمل الصحيح بكفاءة وهذا ما يؤكد عليه الإمام علي عليه السلام في وصيته لكميل بأن المعرفة والحكمة هي أحد شروط الاختيار وليس الانتماء العائلي.

حسن التدبير .. جوهر الحوكمة

يضع الإمام علي (ع) قاعدة إدارية خالدة بقوله: "حسن التدبير ينمي قليل المال، وسوء التدبير يفني كثيره". وهذا ما عبر عنه أيضاً وارن بافيت حين قال:"Good governance is not about having more rules, but about having the right ones." "الحوكمة الجيدة ليست في كثرة القواعد، بل في القواعد الصحيحة". فالمال وحده لا يصنع شركة ناجحة، كما أن الروابط العائلية وحدها لا تحمي الأعمال من الفشل إذا غاب النظام.

الإشكاليات الشائعة في الشركات العائلية

من واقع التجربة الاستشارية، تتكرر الإشكاليات التالية:

  •  • اتخاذ قرارات إدارية بدافع عاطفي أو عائلي.
  •  • غياب توصيف وظيفي واضح لأفراد العائلة العاملين في الشركة.
  •  • الخلط بين الملكية والإدارة التنفيذية.
  •  • ضعف المساءلة بحجة القرابة أو التاريخ المشترك.
  •  • تأثر الموظفين غير العائليين بضبابية السلطة واتخاذ القرار.
  •  • توظيف أبناء العائلة دون الالتفات إلى كفاءتهم العلمية والإدارية كما أن تقييمهم لا يخضع إلى المعايير المهنية بسبب الانحيازات العاطفية.
  •  • البدء المهني لأفراد العائلة داخل الشركة العائلية دون خبرة خارجية سابقة يعد مخاطرة استراتيجية، لما له من أثر سلبي محتمل على نضج الفرد المهني، وتكوينه القيادي، وقدرته على الإضافة الفعلية مستقبلاً.

هذه العوامل لا تؤثر فقط على الأداء، بل تخلق بيئة عمل غير مستقرة، وتحد من قدرة الشركة على جذب الكفاءات أو التوسع المؤسسي.

التنظيم لا يتعارض مع القيم العائلية

من المهم التأكيد على أن الحوكمة والتنظيم لا يتعارضان مع القيم العائلية، بل على العكس، يسهمان في حمايتها. فالفصل الواضح بين الأدوار يقلل من الاحتكاك، ويمنع انتقال الخلافات المهنية إلى الإطار العائلي، ويحفظ الاحترام المتبادل. وفي هذا السياق، يعبر الإمام الصادق (ع) بدقة عن هذا المعنى بقوله: "العاقل من وضع الأشياء مواضعها"، وهو توصيف مهني دقيق لمفهوم الفصل بين الأدوار والمسؤوليات.

من التجربة إلى القناعة المهنية

تظهر التجربة أن أنجح الشركات العائلية هي تلك التي انتقلت من الإدارة بالغرف إلى الإدارة بالنظام، ومن القرارات الشخصية إلى القرارات المؤسسية. هذه الشركات لم تتخل عن طابعها العائلي، لكنها أعادت تنظيمه ضمن إطار حوكمة واضح، يحمي العائلة ويخدم العمل في آن واحد.

أمثلة واقعية حين تنجح الحوكمة... وحين تغيب

أولاً: شركات عائلية نجحت بفضل الفصل والحوكمة:

 1.  عائلة والتون (Walmart):

  • • العائلة مالكة، لكن الإدارة احترافية
  • • مجلس إدارة مستقل
  • • فصل واضح بين الملكية والإدارة

النتيجة استدامة عبر أجيال، ونمو عالمي.

 2.  Tata Group (الهند):

  • • ملكية عائلية تاريخية
  • • التزام صارم بالحوكمة والاستقلال المؤسسي
  • • القرابة لا تمنح منصباً 

النتيجة ثقة عالمية واستمرارية لأكثر من 150 عاماً.

 3.  Samsung (بعد إعادة الهيكلة):

  • • عانت سابقاً من تدخل العائلة
  • • انتقلت تدريجياً إلى نموذج مؤسسي أوضح

النتيجة ضبط أفضل للمخاطر وتعزيز الاستدامة.

4.  مجموعة المهيدب (العائلة حين تتحول إلى مؤسسة):

تعد مجموعة المهيدب من أبرز الأمثلة في المملكة على شركة عائلية نجحت في إدارة التداخل بين العائلة والعمل عبر الحوكمة، لاعبر إلغائه.

ما يميز تجربة المهيدب هو:

  • • الفصل الواضح بين الملكية والإدارة التنفيذية
  • • وجود مجالس إدارة مهنية
  • • اعتماد الهياكل التنظيمية والتوصيف الوظيفي
  • • إشراك قيادات من خارج العائلة
  • • ووضوح آليات اتخاذ القرار والتوسع

هذا النموذج مكن المجموعة من:

  • • التوسع في قطاعت متعددة (الصناعة، التغذية، البناء، الاستثمار)
  • • إدارة شركات كبيرة ومعقدة دون صراعات عائلية ظاهرة
  • • الانتقال بين الأجيال بسلاسة نسبية

ثانياً: شركات عائلية تعثرت بسبب تداخل العائلة والإدارة:

 * Gucci (في مرحلتها العائلية):

  • • صراعات عائلية
  • • غياب الحوكمة
  • • قرارات شخصية

انتهت بخروج العائلة بالكامل من الشركة.

 والأمثلة المحلية للشركات العائلية التي تعثرت أو تفككت بسبب ضعف أو غياب الحوكمة أكثر من أن تحصى.

توصيات مهنية للشركات العائلية

استناداً إلى التجربة العملية وممارسات الحوكمة الرشيدة، يمكن تلخيص أهم التوصيات فيما يلي:

  1.  1.  إعداد ميثاق عائلي مكتوب: يحدد علاقة العائلة بالشركة، وآليات القرار، وسياسات التوظيف والترقية مع ضرورة وجود قائد لتفعيل الميثاق.
  2.  2.  الفصل بين الملكية والإدارة التنفيذية: بحيث تدار الشركة وفق معايير الكفاءة والخبرة، لا القرابة، مع تحديد ادوار الملاك ومجالس الإدارة بوضوح.
  3.  3.  وضع توصيف وظيفي وصلاحيات واضحة: لجميع المناصب، بما في ذلك التي يشغلها أفراد العائلة.
  4.  4.  تعزيز المساءلة والشفافية: من خلال مؤشرات أداء واضحة (KPIs) وآليات تقييم تطبق على الجميع دون استثناء.
  5.  5.  إنشاء مجلس عائلة منفصل عن مجلس الإدارة: لمعالجة الشؤون العائلية بعيداً عن الطاولة الإدارية.
  6.  6.  الاستعانة بخبرات مستقلة: سواء في مجلس الإدارة أو في اللجان، لضمان التوازن والموضوعية في الفرارات.

خاتمة

إن التحدي الحقيقي في الشركات العائلية ليس في كونها عائلية، بل في كيفية إدارتها لعائلتها. وحين يُبنى القرار على المعرفة، ويُدار المال بحسن التدبير، وتضبط العلاقة بين العائلة والمؤسسة، تتحول الحوكمة من عبء ثقيل إلى ضمانة للاستمرار، ويصبح النجاح قابلاً للتوارث لا للزوال.

 

 

خاص_الفابيتا