استمعت الى حديث الرئيس و نقاشه مع كبريات شركات النفط العالمية و خاصة الامريكية و ما ذكر لاحقا عن رئيس اكسون موبيل الامريكية في قوله " ان فنزويلا ليست محط للاستثمار"، خاصة ما يعرف عن الشركة من الانضباط في سياسة الاستكشاف و الإنتاج مسلحة بخبرة حوالي قرن و نصف و دول في مراحل سياسية مختلفة عبر العالم. المستثمر في النفط يهمه الربحية و ليس من يسيطر على القطاع. و هنا تبدا تناقضات اهداف و مقولات الرئيس الأمريكي. يجب أن لا تظللنا ازمة فنزويلا عن الصورة العامة للعرض و الطلب، خاصة ان معادلة العرض و الطلب ليست في أحسن صورها قبل ازمة فنزويلا و التي اعتبر الجزء الأساسي فيها ليس السياسي عدى للفنزويليين مرحليا، لان النفط الفنزويلي مثل غيره سوف يخضع في الأخير للاعتبارات الاقتصادية بعد التغلب على الاعتبارات السياسية و الأمنية. فلكل دولة تجربة فريدة و سياسة لا تقاس فقط بالجيولوجيا و الزمن ، فمثلا صناعة النفط في فينزويلا بدأت منذ حوالي قرن و لكنها تعثرت لأسباب داخلية، و التي بدورها بسبب خيارات النخبة. خيارات تدور حول 'عزل' شركة النفط الوطنية كمصدر مالي بحمايتها من السياسة و تنمية الاقتصاد من ناحية أخرى. اختبار فشلت فيه فنزويلا و ليست الوحيدة.
خطوات ترمب اقرب للسياسية منها للاقتصادية سوى من البعد الجيوسياسي بدء 'بعقيدة منرو' عن دور أمريكا في الجانب الغربي من الكره الأرضية او في مقابل المنافسة مع الصين و روسيا اليوم، او من البعد الداخلي- اظنه عامل رئيس لم يعطى حقه ليس لسبب ان يكرره مرارا فقط و لكن كما ذكر السياسي الأمريكي الراحل تب اونيل بان السياسة في الأخير ذات طابع قريب. لابد ان ترمب تلقى مفاجئة حين استمع للتفاصيل الأولية من قيادات القطاع، و لكن التناقض الأهم في ما يبدو من طرحه عموما في سياسة النفط الداخلية. ربما من منطلق شعوبي يسعى لتوفير أسعار وقود منخفضة ربما أيضا بسبب قرب الانتخابات البرلمانية في بعد تسعة اشهر. لكن التناقض الأكبر في كون ان أمريكا اكبر منتج للنفط عالميا و لكن في ظل اقتصاديات حساسة من حيث التكلفة و طبيعة الصخر و تناقص النمو في الإنتاج، الذي يجمع الكثير من المراقبين انه قد يصل الذروة هذا العام. لذلك سعي الرئيس لخفض الأسعار سوف يضر بمركزية أمريكا خاصة ان دور الشركات في القاعدة السياسية لازال مؤثر كما كان واضح من حديثه معهم و خاصة السيد هام احد اقطاب النفط الصخري. ثمة من تناقض في وسط التناقض فهو من ناحية يعظم صناعة النفط و يقلل دعم الطاقة المتجددة، بل يزدري مثلا طاقة الرياح، و لكن خفض الأسعار يقلل جاذبية الاستثمار
في القطاع. آخر تناقض في البعد الجيوسياسي، المنافس الأهم لأمريكا الصين كأكبر مستورد لذلك سعي الرئيس لخفض الأسعار يساعد الصين و ربما الهند لاحقا اقتصاديا و التي يدعوها لاستيراد النفط و الغاز الأمريكي.
مجمل التناقضات انها تلغي بعض و بالتالي تقودني للقول ان ترمب في الأخير لن يغير شي في الأساسيات و الأسعار ربما كما شهدنا بالرغم من ازمة فنزويلا و شبح ازمة في ايران و ربما أماكن أخرى لم يتحرك السعر بعيدا. فمثلا كرر رئيس اكسون موبيل و آخرين مدى استمرار النفط لعقود قادمه. السياسة حاضر غائب دائما في النفط، فهي تؤثر في المدى القصير و ربما المتوسط حسب معادلة العرض و الطلب في حينه و طبعا على البلد المستهدف و أحيانا السياسات الاستثمارية و التوزيعية في داخل الدولة الواحدة ما أوصل فنزويلا الى المرحلة الخطيرة، و لكنها عابره للقطاع ككل. حسابات الربح و الخسارة و العائد اقوى من السياسة في المدى المتوسط و البعيد، لذلك اجد مقولات و حتى توجهات الرئيس غالبا ممتعه و أحيانا خطيره و مهمه و نادرا استراتيجية.
خاص_الفابيتا


