تطوير سياسات التعليم – تقليدياً – يستغرق زمناً طويلاً، إذ تبدأ عملية التطوير بإجراء البحوث التي تتطلب الحصول على البيانات وإجراء المقابلات، وغير ذلك من مستلزمات البحث، يتلوها مرحلة سَنّ السياسات وتعميمها وهي الأقصر زمنياً، وتُختَم بمرحلة قياس الأثر التي تمتد سنين طويلة. هذا الجدول الزمني لم يَعُد مقبولاً في عصر الذكاء الصناعي، فالسياسة التي تُكتب اليوم قد تصبح عديمة الفائدة قبل بدء تطبيقها. ولكي يستفيد صناع القرار من أبحاث السياسات دون عرقلة العملية التعليمية، ينبغي إحداث تغييرين: الأول في طريقة صياغة السياسات، والثاني في حوكمة تطبيقها.
البيئة التجريبية للسياسات (Policy Sandbox)
اختلفت الترجمات المستخدمة لمصطلح Sandbox، فاستُخدِم مصطلح البيئة والحاضنة والمختبر، ولكن اختارت معظم الجهات الحكومية في المملكة العربية السعودية مصطلح "البيئة التجريبية"، فسنلتزم بهذا المصطلح في هذه المقالة. ولقد استعير مفهوم البيئة التجريبية للسياسات التعليمية (Education Policy Sandbox) من قطاعَيْ التقنية المالية والبرمجيات، وتهدف البيئة التجريبية التشريعية، بحسب البنك المركزي السعودي، إلى: "إطلاق خدمات ومنتجات جديدة ومبتكرة في السوق من خلال تهيئتها لاختبار في بيئة حية ضمن تعليمات وقيود محددة". البيئة التجريبية للسياسات التعليمية توفر بيئةً مراقبةً ومحددةً زمنياً، بحيث يمكن لمسؤولي التعليم، والمرشدين التربويين، وشركات التقنية، وغيرهم من أصحاب المصلحة،اختبار نماذج وطرق تعليمية تستخدم الذكاء الصناعي ضمن أطار تنظيمي محدد.
تتيح هذه الطريقة الفرصة لتعلّم تطبيق السياسات واقعياً، فعوضاً عن استخدام أداة أو طريقة تعليم جديدة تعتمد على الذكاء الصناعي وتخمين أثرها، يستخدم صانعو السياسات دورات تجريبية سريعة لتحديد الفجوات وقياس أثر التطبيق. إن اختبار هذه المتغيرات في "منطقة آمنة" (Safe zone) يتيح لصنّاع القرار جمع أدلة تُستخدم لتحديث السياسات دورياً بدلاً من تطوير كامل المنظومة وانتظار قياس أثر ذلك بعد مدة طويلة.
القياس المستمر لأثر تطبيق السياسات
البيئة التجريبية للسياسات تتيح قياساً مستمراً للآثار الواضحة أو المحتملة لتطبيق السياسة، وعدم الانتظار إلى نهاية الفصل أو العام الدراسي لتقييم أثر التجربة من نتائج امتحانات الطلاب. وإن القياس المستمر لتفاعل الطلبة، ومستوى الإتقان وسرعته، وتقييم المدرسين لفعالية السياسة المُطَبّقة، يمكّن متخذي القرار من قياسٍ جيد إلى حد كبير لمدى نجاح السياسة. هذه القياسات المستمرة توفّر "نظام إنذار مبكر" يسمح بتعديل السياسة أو إعادة توجيه مسارها في غضون أسابيع بدلاً من سنوات. تتيح البيئة التجريبية للسياسات لصانع القرار الانتقال من تشخيص المشكلة بعد حدوثها، إلى التشخيص المناسب عندما تبدأ المشكلة تُطِلُّ برأسها فيسهل وصف العلاج لها.
إن التسارع الكبير لتأثير الذكاء الصناعي على منظومة التعليم لا تجعل أبحاث السياسات غير مجدية أو مهمة، بل تجعل الحاجة للقيام بهذه الأبحاث بطريقة متسقة مع المتغيرات السريعة أكثر أهمية من أي وقت مضى. وإن اعتماد البيئة التجريبية للسياسات يضمن لصانع القرار أن السياسة ستكون حافزاً لتطوير التعليم وليست عائقاً له. وسنذكر فيما يلي عدداً من التجارب الدولية في تطبيق البيئة التجريبية للسياسات التعليمية.
المملكة المتحدة: استخدمت وزارة التعليم البريطانية (Department for Education) البيئة التجريبية التابعة لمكتب مُفَوّض المعلومات (Information Commissioner’s Office) عامَي2023 و2024 لتطوير المؤهلات التعليمية (Education Credentials) الرقمية التي تهدف لاختبار كيفية السماح للطلاب (سن 16 فأكثر) بإدارة ومشاركة سجلاتهم التعليمية عبر محفظة رقمية تُصمّم لتكون مبادئ الخصوصية مكوّنا أساسياً لها، مع التركيز بشكل خاص على حماية بيانات القاصرين.
جنوب شرق آسيا: أطلق مركز تكنولوجيا التعليم (EdTech Hub) عام 2025، بالشراكة مع برنامج تطوير تعليم الفتيات لدول آسيان (ASEAN-UK SAGE) بيئة تجريبية لسياسات التعليم في عدة دول، منها:
- · إندونيسيا: استخدمت وزارة التربية والتعليم البيئة التجريبية لاختبار صنع السياسات القائمة على الأدلة.
- · الفلبين: استخدمت وزارة التعليم البيئة التجريبية لتصميم منهجية جمع البيانات لدعم السياسة الوطنية الشاملة للتعليم (Ominbus EdTech Policy).
كما طُبِّقَت البيئة التجريبية للسياسات لدراسة أثر الذكاء الصناعي على منظومة التعليم، فجُرِّب التعلم التنظيمي (Regulatory learning) حيث راقب صناع القرار سلوك الذكاء الصناعي وأثره في بيئة مدرسية مقنّنة، ليقرروا الشكل النهائي للسياسات التعليمية ذات العلاقة. ومن أمثلة ذلك:
- · يعمل صنّاع القرار في الاتحاد الأوروبي (مثل مكتب الذكاء الصناعي أو هيئات حماية البيانات الوطنية) جنباً إلى جنب مع مطوري تنقيات التعليم لمراقبة أداء الذكاء الصناعي للتعامل مع خلل محتمل، مثل إذا ظهر تحيّز (Bias) في تقييم الطلاب أو مراقبة الامتحانات. فينتج عن الاختبار في البيئة التجريبية توجيهٌ وتقنين لأداء الخوارزميات التي تقوم بهذا التقييم.
- · يتطلب الذكاء الصناعي كميات هائلة من البيانات، وهو أمر محفوف بالمخاطر في المدارس بسبب خصوصية بيانات الطلاب والحاجة لحمايتها، فتُستخدم تقنيات تعزيز الخصوصية (Privacy-Enhancing Technologies) في البيئة التجريبية، وذلك بتطبيقها على بيانات وهمية تحاكي سلوك الطلاب الحقيقي.
وبالإشارة إلى التحديات التي تواجهها منظومة التعليم، والتي لخصناها في المقالة السابقة التي عنوانها "حماية العقل البشري" فإننا نقترح إطلاق مبادرة عاجلة لصياغة سياسةٍ تُوّجِّهُ مسار التعامل مع الذكاء الصناعي في منظومة التعليم، أو سياسات فرعية لذلك.
خاص_الفابيتا


