نعيش في هذا العَقد أسرع تحول تربوي في تاريخ البشرية. ففي العامين الماضي تطوّر الذكاء الصناعي من موضوع يثير اهتمام بعض الطلاب والمدرسين، إلى أحد أهم المؤثرات المحتملة – إن لم يكن أهمها – على العملية التعليمية في العالم. ولعل تأثير الذكاء الصناعي أوضح على الطلاب منه على المعلّمين، لأنه يوفر لهم معلماً خاصاً في كل المواد، ومساعداً – أو بديلاً جاهزاً – لحل الواجبات، ومبرمجاً، وباحثاً، ومحاوراً، متى ما رغبوا وبأي لغة شاؤوا.
الذكاء الصناعي لا ينفع معه المنع ولا الحجر، فهو متغلغل في كل أدوات الاتصال والحوار والعمل والتعلّم، إلا ما ندر. وأحسب أن جُلّ متخذي القرار في منظومة التعليم في العالم أدرك هذه الحقيقة، فنجد أن المدارس تسابق الزمن لرقمنة التعليم للاستفادة من الذكاء الصناعي، أو لإدارة استخدامه بطريقة مناسبة، وإن كنت أحسب أنه لم يستطع أحد حتى الآن تعريف "المناسب" للتعامل مع الذكاء الصناعي في التعليم، فضلاً عن تطبيق ذلك.
وإن المتابع للأبحاث التي تُجرى عالمياً يُدرِكُ أن ثمّة "مفارقة إدراكية" (Cognitive Paradox) بدأت تتضح معالمها، يمكن تلخصيها كما يلي: للذكاء الصناعي قدرة غير مسبوقة على إثراء المحتوى وتيسير الحصول على المعلومة التي يحتاجها الطالب فوراً، ولكنه – في الوقت نفسه – يؤدي إلى إضعاف المهارات التحليلية (Analytical Skills) ثم القدرة الإدراكية (Cognitive Ability) لدى الطالب على المدى الطويل.
الأبحاث التي نُشرت حديثاً في جميع أنحاء العالم تطلق إنذاراً واضحاً: يستطيع الذكاء الصناعي تحسين أداء الطلاب، ولكنه قد يجعلهم أقل قدرة على التعلّم. إن الخطر الذي تشير إليه الأبحاث ليس استخدام الذكاء الصناعي في"الغش"، بل هو أمرٌ أكثر عمقاً وأبلغ أثراً على المدى الطويل، اصطلح على تسميته بـ "الضمور الإدراكي" (Cognitive Atrophy).
مصطلح الضمور الإدراكي يرجِع تعريفه إلى الوصف الطبي لضعف القدرة الإدراكية لكبار السن، ثم استخدم في بداية الألفية ليعبّر تأثير التقنيات الحديثة على العقل البشري، كما نجد ذلك في كتابات الصحافي الأمريكي نيكولاس كار وأبحاث عالم الأعصاب الألماني الدكتور مانفرد سبيتزر. ثم استقر المصطلح بدءاً من عام 2023 ليعبّر عن تأثير الذكاء الصناعي على إضعاف القدرة الإدراكية للعقل البشري.
ونلخص فيما يلي أهم نتائج الأبحاث المنشورة عامَيْ 2024 و2025 عن موضوع المفارقة الإدراكية (Cognitive Paradox) للذكاء الصناعي في التعليم:
أولاً: المخاوف من تأثير الذكاء الصناعي على المهارات التحليلية والقدرة الإدراكية
أ. تُظهِرُ الأبحاث المنشورة وجود تأثيرٍ مزدوجٍ: (1) يوفّر الذكاء الصناعي معلومات ودعماً للطالب يُضفي طابعاً شخصياً على التعلم، ولكنه (2) يُؤدي إلى "التفريغ الإدراكي" (Cognitive Offloading) في معظم الأحيان:
- • ضمور التفكير: عندما يستخدم الطلاب الذكاء الصناعي في المهام الدنيا (مثل التلخيص أو الكتابة الأساسية)، فإنهم يتجاوزون الصعوبة المرغوب فيها – تعليمياً - اللازمة للتعلم العميق.
- • وهم المعرفة: يجعل الذكاء الصناعي الأفراد يشعرون أنهم أكثر معرفة، فيدفعهم لتبنّي آرائهم والدفاع عنها – بغض النظر عن صحتّها من عدمها – فلا يمارسون النقد الذاتي ولا يتقبلون النقد من غيرهم. تُعرّف هذه الممارسة بـ "الطلاقة على حساب العمق" (Fluency over depth).
ب. الكسل المعرفي:
- • وجد الباحثون في دراسات عالمية وإقليمية أن الطلاب يقبلون مخرجات الذكاء الصناعي غالباً دون تحقق، وهي حالة تسمى "الكسل المعرفي" (Epistemic Laziness).
- • ضعف الذاكرة: أظهرت التجارب على عينات عشوائية (Randomized controlled trials) أن الاعتماد المستمر على الذكاء الصناعي دون محاولة البحث عن حلٍ للمشكلة، أو محاولة حل الأسئلة قبل اللجوء لمساعدة الذكاء الصناعي، يؤدي إلى انخفاض ملموس في الذاكرة طويلة المدى.
ثانياً: لم تعد المخاوف من استخدام الذكاء الصناعي توقعات غير مثبتة، بل أصبحت واقعاً مشاهداً
- • أظهرت الأبحاث التي أجريت على طلاب كليات التقنية الجامعية في إحدى الدول العربية تراجع المهارات التحليلية واللغوية لـ94.5% من الطلاب الذين يستخدمون الذكاء الصناعي بانتظام.
- • استحدث باحثون في عدد من الاقتصادات النامية مصطلح "الاستعمار الخوارزمي" (Algorithmic Colonialism) لوصف تأثير نماذج الذكاء الصناعي المستخدمة بكثرة (وأغلبها من الدول الصناعية) على قيم الطلاب الثقافية ومهاراتهم اللغوية، بل حتى على الأمثلة التي يسوقونها في حديثهم مع أقرانهم وأسرهم.
- • أظهرت نتائج بحثية أوّلية أنه كلما بكّر المتعلّم في استخدام الذكاء الصناعي ضعُفت قدرتُه على التعلّم. ولا تخُص هذه النتاج صغار السن، بل تشمل جميع مراحل التعليم، فعندما يلجأ الطالب للذكاء الصناعي لمساعدته أو حل الاختبار أو الواجب نيابة عنه، لمادة جديدة عليه، فإن هذا يعيق عملية استيعاب وفهم هذه المعرفة الجديدة.
إن النتائج التي أشرنا إليها – وكُلّها مقلقة – أتت من أبحاثٍ لم تكد تجُفّ أحبار طباعتها، نُشرت عامَيْ 2024 و2025. فهي ما تزال نتائج مبدئية تحتاج لتراكم معرفي لتأكيدها، ولكن: هل لدينا ما يكفي من الوقت لانتظار نتائج دراسات أخرى تؤكد هذه النتائج أو تصحح شيئاً منها؟ أحسب أن الجواب لا.
قد يتبادر إلى ذِهنِك أيها القارئ الكريم عند قراءتكِ هذه المقالة أن الذكاء الصناعي شرّ كلّه، ولكننا لا نقصد ذلك، ولا نعتقده. الذكاء الصناعي أداة إن أحسنّا استخدامها كان لها أثرٌ إيجابيٌ كبير على التعليم، وإن لم نُحسِن استخدامها فضررها قد يكون كبيراً. ولقد استخدمت مصطلح "الاستخدام" وليس "التطويع" لأننا يجب أن نُقِرّ أن الذكاء الصناعي ليس كالأدوات التي استخدمها الإنسان سابقاً
في التعلّم والتعليم وما يزال، ولهذا يحسُن التعامُلُ معها بتركيز واهتمام واستباقية، ومرونة عالية: تعامل الندّ للندّ، لا تعامل المستخدم للأداة.
وسنلخص في المقالة التالية – بإذن الله – عدداً من المقترحات قد تفيد في صياغة سياسة التعامل مع الذكاء الصناعي في التعليم.
خاص_الفابيتا


