تعزيز النمو الاقتصادي

01/01/2026 0
د. محمد آل عباس

لعل أهم ما يتوج به المقال عن أهم الأحداث الاقتصادية خلال 2025، هي تلك الزيارة التاريخية للأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء إلى الولايات المتحدة في نوفمبر الماضي، حيث تم استقباله في البيت الأبيض بحفاوة كبيرة من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وأُعلن خلالها عن زيادة الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة لتقترب من تريليون دولار، تشمل مجالات الدفاع والذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، ووقعت شركة أرامكو السعودية وحدها عن 17 مذكرة تفاهم واتفاقية مع شركات أمريكية  بقيمة تفوق 30 مليار دولار في مجالات مثل الغاز الطبيعي المسال والخدمات المالية وتصنيع المواد المتقدمة، ما يؤكد المكانة الإستراتيجية للسعودية كقطب اقتصادي عالمي ومحرك للنمو في المستقبل.

ولقد كانت المشهد الاقتصادي لعام 2025 خير شاهد على هذا. ولقراءة هذا المشهد نعود لقمة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة في 2015 عندما أطلقت الأمم المتحدة 17 هدفا للتنمية المستدامة يتم العمل على تحقيقها خلال الفترة من  2015 إلى 2030، وهي في مجملها تسعى إلى تحسين جودة الحياة، وحماية البيئة، وضمان تنمية اقتصادية عادلة ومستدامة للأجيال الحالية والمستقبلية 2030.

في الاتجاه العالمي نفسه تم إطلاق رؤية السعودية 2030 في 2016 لتحقيق مستهدفات تنمية رأس المال البشري وتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط، وتشجيع الاستثمار الأجنبي، وإصلاح المالية العامة، وتحسين كفاءة الإنفاق الحكومي، وخصخصة جزئية ومدروسة لبعض القطاعات، وعلى أساس أن يكون دور الدولة مركزيًا قويًا في التخطيط والتوجيه (عبر مركز الحكومة وذراع المالية العامة وصندوق الاستثمارات العامة)، مع ممارسة دقيقة وحذرة للخصخصة بحيث لا تنسحب الدولة بشكل سريع ومباشرة بل بتأني، مع تأهيل القطاع الخاص وأدوات السوق المالية (تجربة خصخصة الأندية الرياضية كمثال) ومع تركيز واضح على البعد الاجتماعي بما يتضمنه من جودة الحياة، والتوظيف، والإسكان، والصحة.

ومع نهاية 2025 يمر على الرؤية قريبا من 10 سنوات وكذلك خطة الأمم المتحدة في التنمية المستدامة لنجد بشكل واضح وجلي أن السعودية قد قفزت بشكل جوهري في مساراتها جميعا وهي تقف في مقدمة الركب العالمي.

يعد 2025 عاماً محورياً فالسعودية في صدارة دول مجموعة العشرين (G20) في معدلات النمو بينما يمر الاقتصاد العالمي بمرحلة من النمو المتباطئ والضغوط التضخمية، فإذا كان الاقتصاد العالمي نموه بنحو3.0% إلى 3.2% فإن الاقتصاد السعودي ينمو بنحو 3.8% إلى 4.4%، ويحقق القطاع غير النفطي في السعودية نمو مضطردا بنحو 4.4%. وبينما يعاني العالم من ارتفاع معدلات التضخم يتجاوز في بعض الأوقات معدلات 4.2%، فإن الاقتصاد السعودية يحقق مستويات مستقرة بمعدل يقل في كثير من الأوقات عن 2%. وبشكل قطاعي فإن الأنشطة غير النفطية في 2025 أصبحت تشكل 56% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي للسعودية وتسجل قطاعات السياحة، والخدمات اللوجستية، والتقنية المالية نمواً متصاعداً، وهذا مدعوما باستثمارات ضخمة من صندوق الاستثمارات العامة التي تتجاوز أصوله 3.47 تريليون ريال.

في مسار تنمية الموارد البشرية حققت السعودية في 2025 أحد أهم أهداف الرؤية قبل موعدها حيث انخفض معدل البطالة بين السعوديين لتصل إلى مستويات تاريخية عند 6.3% وبلغ المعدل الإجمالي للبطالة (السعوديون وغير السعوديين) نحو3.4% وحققت كثير من الجهات مستهدفات تمكين المرأة وهذه المعدلات تشير إلى أن هناك تطور نسبي في تنمية الموارد البشرية في الاقتصاد السعودي مع تحسن في المواءمة بين أسواق العالم ومخرجات التعليم، كما أن انخفاض التضخم، واستقرار أسعار الفائدة، وتحسن الثقة في الاقتصاد، كلها تشجع التوظيف دون توسع مفرط قد يسبب التضخم، وهذه القراءة الاقتصادية تقود الحديث نحو السياسة النقدية السعودية التي تميزت باستقرار مع ميل نحو خفض أسعار الفائدة تماشياً مع التوجهات العالمية، ما خفف تكاليف التمويل للشركات المحلية.

يعود التقدم الذي حققه الاقتصاد السعودي غير النفطي للنجاح الأبرز في قطاع السياحة حيث تشير الأرقام في 2025، أن السياحة أصبحت تسهم بنحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي (بينما المعدل العالمي عند 3%)، وقد تجاوز عدد السياح  حاجز  100 مليون سائح سنوياً، لتصبح السعودية ضمن قائمة الدول الأكثر زيارة عالميا وهو ما أكده تقرير باروميتر السياحة العالمي التابع للأمم المتحدة، والذي صنف السعودية في المركز الأول بين دول مجموعة العشرين من حيث معدل نمو عدد السياح الدوليين، وشهد 2025 تشغيلاً كاملاً للمرحلة الأولى من مشروع البحر الأحمر وأمالا، وهي مع مشاريع نيوم وتعد مشاريع إستراتيجية ضمن مستهدفات جعل السعودية "الوجهة الأولى للسياحة الفاخرة المستدامة" عالمياً.

كما نمت سياحة الفعاليات باستضافة البطولات الرياضية الكبرى والمؤتمرات العالمية، وهو ما أسهم في رفع نسب إشغال الفنادق لتصل إلى 90% في المدن ذات الصلة وهذا برغم التوترات الجيوسياسية البارزة. وفي سياق مماثل يمكن اعتبار 2025 عام التقنية المالية الرقمية فقد ارتفع عدد شركات التقنية المالية العاملة في السعودية ليتجاوز 250 شركة، ووصلت نسبة المدفوعات غير النقدية في قطاع التجزئة إلى أكثر من 75%، وزادت بذلك وتيرة "الشمول المالي". وهي من أعلى النسب بين دول مجموعة العشرين، متجاوزةً الكثير من الاقتصادات الأوروبية وهذا المسار القوي يعزز من فرص تحقيق مستهدف الرياض "مركز مالي تقني عالمي".

لكن كان هذا النمو القوي ذو أثر قوي على القطاع العقاري الذي شهد ارتفاع في الأسعار مع قوة الطلب على البرامج المختلفة ذات الصلة مما تتطلب تدخلا حكوميا وفقا للسياسة الاقتصادية العامة التي تتطلب من الدولة التدخل في حال لم تعد قوى العرض والطلب فعالة، فتم إقرار حزمة من القرارات من أجل إعادة التوازن العقاري، منها رفع نسب رسوم الأراضي البيضاء وتعديلات في النظام لتحفيز التطوير وزيادة المعروض، كما تم: إيقاف الزيادة السنوية لقيمة الأجرة الإجمالية في عقود إيجار العقارات السكنية والتجارية (القائمة أو الجديدة) في العقارات الواقعة داخل النطاق العمراني لمدينة الرياض لمُدَّة (5) سنوات، بدءًا من تاريخ اليوم 3 ربيع الثاني 1447هـ الموافق 25 سبتمبر 2025، كما يُمكن تطبيق أحكام تنظيم الزيادة السنوية للقيمة الإيجارية على كامل أو أجزاء من مُدن ومحافظات ومراكز أخرى.

مع نهاية 2025 فإن نجاحات رؤية السعودية 2030 أصبحت واضحة في تعزيز النمو الاقتصادي، وتنويع القطاعات غير النفطية، وجذب الاستثمارات العالمية وتعكس السياسات الاقتصادية والإصلاحات الهيكلية، بما في ذلك التوازن العقاري، حرص السعودية على دمج النمو مع الاستقرار الاجتماعي والمالي، ما يعزز مكانتها الاقتصادية على الصعيد العالمي.

 

نقلا عن الاقتصادية