في مقال الأسبوع الماضي تحدثت عن مشكلة تتعلق بشركة "الصادرات" المدرجة في السوق المالية، وكيف تم اكتشاف مشكلة إثبات الإيرادات، لكن أثناء دراستي للموضوع وجدت أن إعلان الشركة عنه في 1442 قد تضمن ما سمته الشركة "بيان توضيحي" عن سبب امتناع المراجع الخارجي من إبداء رأيه في النتائج المالية السنوية، وقد لفت انتباهي هذا الأمر، فهل فعلا امتنع المراجع عن إبداء الرأي؟ لكن عندما قرأت الإعلان وجدت أن الشركة قالت في التفاصيل "إن العمل جارٍ لإنهاء تحفظات المراجع الخارجي في أقرب وقت ممكن، لضمان رفع تعليق تداول الورقة المالية للشركة"، فهل امتنع المراجع حينها عن إبداء الرأي أم تحفظ في الرأي، فالفرق بينهما كبير. لأن الامتناع عن إبداء الرأي مسألة معقدة تقنيا، وفي النادر أن يمتنع المراجع عن إبداء الرأي، لذلك عدت لتقرير المراجع الذي أصدره في تلك الفترة وتبين لي أن التقرير كان متحفظا وليس امتناعا عن إبداء الرأي. لذلك أعتقد من الضروري توعية المجتمع بالفرق بينهما.
بداية فإن الامتناع عن إبداء الرأي لا يعني رفض تقديم التقرير، ولا يعني الامتناع أن المراجع لن يصدر تقريرا موقعا، ثم يذهب هكذا تاركا القوائم المالية بلا تقرير مراجع مستقل. الحقيقة أن الامتناع عن إبداء الرأي هو أحد الآراء التي يقدمها المراجع على القوائم المالية، فهو رأي أيضا. ولفهم الأمر بشكل أوضح، أقول إن الأصل في المراجع هو تقديم تقرير لا تعديل فيه، يعني يتضمن تأكيد أن القوائم المالية عادلة من كافة النواحي، ونقول غير معدل لأنه الأصل.
يأتي التعديل على هذا الأصل بناء على المشكلة التي واجهها المراجع عند تقييم الأدلة التي جمعها، وعليه (إذا قرر تعديل رأيه) أن يختار بين الرأي المتحفظ، أو الرأي المعارض، أو الامتناع عن إبداء الرأي. والمعيار في ذلك هو تقديره عن حجم التحريفات التي اكتشفها، هل هي جوهرية أم لا وهل هي منتشرة أم غير منتشرة في القوائم المالية. فإذا كانت جوهرية غير منتشرة فإنه يختار الرأي المتحفظ، وإذا كانت جوهرية وهي منتشرة في نفس الوقت فإنه يختار الرأي المعارض.
وتبدو عملية الوصول إلى قرار بشأن الرأي المتحفظ والرأي المعارض واضحة (هناك أدلة قاطعة الدلالة من السجلات المحاسبية بوجود تحريفات وهي جوهرية ومنتشرة أو غير منتشرة).
لكن المشكلة الفنية تظهر في الامتناع عن إبداء الرأي، فهو يحدث ـ وفقا لنص المعيار - عندما يكون المراجع غير قادر على الحصول على ما يكفي من أدلة المراجعة المناسبة، لكنه يستنتج أن التأثيرات المحتملة في القوائم المالية بسبب التحريفات غير المكتشفة، إن وجدت، قد تكون جوهرية، وأيضا منتشرة. وهنا تبدو المشكلة في تقدير المراجع أن التحريفات التي لم "يكشفها" (لكنها محتملة في تقديره هو) جوهرية ومنتشرة. فهي مسألة تقدير وليست "أدلة"، لهذا فمن الصعب تقنيا أن يصل المراجع لهذا المستوى من الشك في القوائم المالية.
ولهذا وجدت إعلان الشركة مربكا عندما قرأته في أول وهلة قبل أن تبين لي أن المقصود هو التقرير المتحفظ، وأن المراجع لم يمتنع عن إبداء الرأي أصلا. ولأنه يصعب الوصول إلى هذا المستوى فعلا في شركات السوق المالية، فقد بحثت عن أي جهة حصلت مسبقا على مثل هذا التقرير في العالم، ووجدت أن بلدية محلية في مدينة بيرث الأسترالية قد حصلت على هذا النوع من التقارير، وكان السبب كما ورد في إعلان البلدية هو فشل الرئيس التنفيذي وكبار الموظفين الماليين في الاحتفاظ بسجلات محاسبية سليمة وبيانات دقيقة مطلوبة لأغراض المراجعة.
وفشل الرئيس التنفيذي في الاستجابة لطلبات المراجع وتحذيراته بشأن وجود مشكلات خطيرة في عملية المراجعة، وفشل لجنة المراجعة في إبلاغ المجلس بكامل هيئته وإبلاغ رئيس البلدية، وهذه الحالة تعني أن وصول المراجع إلى مرحلة الامتناع يأتي أساسا بسبب ضعف خطير جدا في السجلات المحاسبية، وضعف شديد في الرقابة الداخلية، وهذا تقنيا لا يحدث في الشركات التي تدرج في الأسواق المالية.
نقلا عن الاقتصادية
وفّيت وكفيت يا دكتور. موضوع دقيق ولطيف، وليس من السهل استنباطه من أول قراءة. كمستثمرين غير مختصين في تفاصيل المحاسبة والمراجعه، عندما نراجع القوائم المالية لأغلب شركات السوق، نبحث وبعناية عن: "وفي رأينا، إن القوائم المالية الموحدة المرفقة تعرض بصورة عادلة، من جميع النواحي الجوهرية،..." وفي حالة عدم وجود الجملة أعلاه، نبدأ في البحث عن علامات "خطر". تحياتي