سلسلة مقالات حول الاسثتمار الأجنبي المباشر: نشأته، نظرياته، وآثاره (2)

24/03/2025 0
د. علي بن جاسم الصادق

مقدمة

ناقشنا في المقال الأول مفهوم الاستثمار الأجنبي المباشر. وذكرنا في بأن الاستثمار الأجنبي يمكن تقسيمه إلى مباشر وغير مباشر. هذا الاختلاف ميّز الاستثمار الأجنبي المباشر عن الأشكال الأخرى من الاستثمار الأجنبي بعدة خصائص. في هذا المقال سنناقش خصائصه، وارتباطه بالشركات المتعددة الجنسية.

خصائص الاسثتمار الأجنبي المباشر

أولاً، تتميز العلاقة بين الشركة الأجنبية والشركات التابعة أو الزميلة بأنها طويلة الأجل تعكس منفعة المستثمر الأجنبي المباشر والتي يترتب عليها تحويل رأس المال بالإضافة إلى الخبرات الإدارية وأسرار الإنتاج إلى البلد المضيف. أي أن العلاقة بين المستثمر المباشر ومؤسسة الاستثمار المباشر يترتب عليها نقل أصول ملموسة وأخرى غير ملموسة إلى البلد المراد الاستثمار فيه. هذا بخلاف استثمارات المحفظة التي لا يترتب عليها نقل أصول غير ملموسة. ففي حالة استثمارات المحفظة يتركز اهتمام المستثمرين الأجانب على المحافظة على رأس المال المستثمر بالإضافة إلى العائد على رأس المال، وبالتالي فأننا نجد أن المستثمرين يقومون بنقل رؤوس أموالهم تبعاً لهذه التغيرات.

ثانياً، نتيجة لتميز العلاقة بين المستثمر المباشر ومؤسسة الاستثمار المباشر بأنها طويلة الأجل، يعتبر الاستثمار الأجنبي المباشر من أكثر الاستثمارات الأجنبية استقراراً. فهناك بعض الدلائل التي تشير إلى أن الاستثمار الأجنبي المباشر في فترة الأزمة الأسيوية المالية عام 1997م كان أكثر استقراراً من استثمارات المحفظة التي تأثرت بالتطورات قصيرة الأجل في الأسواق المالية العالمية.

ثالثاً، بالرجوع إلى تعريف الاستثمار الأجنبي المباشر ونظراً لما ينطوي عليه الاستثمار المباشر من السيطرة والتحكم في إدارة الشركة التابعة في البلد المضيف، يجعل الاستثمار المباشر له دوافع غير تحقيق الربح. هذا يجعل الاستثمار الأجنبي المباشر "استثماراً ايجابياً (Active-Investment)، وفي المقابل يعتبر استثمارات المحفظة استثماراً سلبياً .(Passive-Investment)

رابعاً، لتشكيل العلاقة بين المستثمر الأجنبي المباشر ومؤسسات الاستثمار لا يحتاج المستثمر الأجنبي بأن يمتلك جميع أصول الشركة، حيث أن 10% من الأسهم العادية لمؤسسة الاستثمار المباشر تكفي لإنشاء هذه العلاقة.

الشركات متعددة الجنسية

عادة ما يرتبط مفهوم الاستثمار الأجنبي المباشر بمفهوم الشركات متعددة الجنسية حتى أن البعض يستخدم أحد المفاهيم للدلالة على الأخر، ولكن في الحقيقة هناك اختلاف كبير بين المفهومين. فالاستثمار الأجنبي المباشر كما عرّفناه في المقال السابق يمكن أن يتم عن طريق أي كيان، فرداً أو شركة، وبالتالي ليس بالضرورة أن يتم الاستثمار الأجنبي المباشر عن طريق شركة متعددة الجنسية. فأي فرد يمتلك ما نسبته 10% أو أكثر من أسهم شركة تخوله من السيطرة والإدارة يصنف على أنه مستثمر أجنبي مباشر.

وكما هو الحال في تعريف الاستثمار الأجنبي المباشر، فأن تعريف الشركات متعددة الجنسية لم يتم الاتفاق عليه إلا في نهاية الستينيات. ففي السابق كان يُنظر إلى الشركات التي تعمل في أكثر من بلد على أنها "الكيان الذي يعمل على تدويل أنشطته الصناعية عبر الحدود من خلال الاستثمار الأجنبي المباشر." كما أن البعض صنف الشركات التي تنتج وتبيع منتجاتها في دول مختلفة على إنها "شركات دولية." أما بعض الباحثين فيفرق بين ثلاثة أنواع من الشركات، الدولية (International) ومتعددة الجنسية (Multinational)، وعبر الوطنية أو القومية (Transnational). فالشركة الدولية هي ذلك الكيان الذي تتمثل أنشطته الدولية في الاستيراد والتصدير. أما متعددة الجنسية فهو ذلك الكيان الذي يمتلك أو يسيطر على وحدات إنتاجية في أكثر من بلد. أما الشركة عبر القومية فهو ذلك الكيان الذي يستطيع تدويل أنشطته الإنتاجية عالمياً لدرجة إن هوية تلك الشركة تصبح منفصلة أو مستقلة عن البلد الأصلي للشركة الأم أو أي دولة أخرى.

من أهم المفاهيم التي لاقت قبولا واسعاً في الأدبيات الاقتصادية للشركات المتعددة الجنسية هي تلك الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية. بحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تُعرف الشركات متعدد الجنسية بـ " الشركات أو الكيانات التي تعمل في أكثر من بلد واحد مع وجود روابط مختلفة بين الشركات في ما يخص عملية الإنتاج."

ومع ذلك يرى البعض أنه وعلى الرغم من إن الشركات متعددة الجنسية لا تعود لمكان معين، مازالت هذه الشركات متربطة بصورة أساسية بموطنها الأصلي. فشركة جنرال موتورز مازالت أمريكية وفودافون مازالت فرنسية. كما إن هذه الشركات الأكثر نجاحاً ما زالت تحافظ على ولائها الوطني وتأثرها بسياسة حكومة بلدها الأم. بعبارة أخرى حتى في حالة التوسع الكبير للشركات العالمية في أنشطتها الإنتاجية فأن هذه الشركات تسعى دائما لابقاء مكاتبها الرئيسية ومراكز البحوث والتطوير في بلدها الأم. حتى إن اعضاء الإدارة العليا والمدراء التنفيذيين غالباً ما يكونوا من نفس البلد الأصلي للشركة. ففي دراسة لمجموعة من الشركات الأمريكية (1000 شركة) تعمل في أكثر من صناعة مختلفة لمعرفة جنسية أعضاء مجلس الإدارة، وجدت إن 12%

فقط لم يكونو أمركيين. هذا ينطبق أيضاً على الشركات الأوربية واليابانية، فأنه من الصعب أن نجد شركة أوروبية أو يابانية يديرها شخص لا يحمل الجنسية الأصلية للشركة.

السمات الأساسية للشركات متعددة الجنسية:

1. ضخامة الحجم: فحجم الشركة متعددة الجنسية، تعتبر السمة الرئيسة في تكوين هذه النوعية من الشركات. فقيمة الأصول الأجنبية شركة تويوتا اليابانية للسيارات يساوى قيمة الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية مجتمعة.

2. احتكار السوق، غالبا ما تعمل الشركات متعددة الجنسية في أسواق تحتكر فيها الإنتاج أو في تلك الأسواق التي تتسم باحتكار القلة أو المنافسة الاحتكارية. حيث تمتلك كل شركة أسرار صناعية خاصة بها تمكنها من المنافسة في الأسواق المحلية والإقليمية والعالمية.

3. تنوع الأنشطة، حيث تتجه أغلب الشركات إلى تخطي النمو التقليدي في الإنتاج والذي يرتكز على إنتاج سلعة واحدة فقط. فأغلب الشركات الكبرى تمتلك خطوط إنتاج متعددة تنتج سلع وخدمات مختلفة (شركة نستله على سبيل المثال). ويرجع السبب إلى قيام الشركات متعددة الجنسية بتنويع أنشطتها إلى الرغبة الجامحة لهذه الشركات في السيطرة على الأسواق العالمية والتي تضمن لها مزيد من الأرباح.

4. الانتشار الجغرافي، تتميز الشركات متعددة الجنسية أيضاً بالتواجد في أغلب الأسواق العالمية والتوسع الجغرافي خارج الدولة الأم. حيث تمتلك فروع وشركات تابعة في أنحاء العالم وبالتالي فأنها تتميز عن الشركات المحلية الكبرى التي تمتلك بعض الاستثمارات خارج حدود دولة الأم، والشركات المحلية الصغيرة التي تستثمر في الخارج، ومستثمرو المحافظ المالية.

5. مركزية الإدارة، فعلى الرغم إن الفروع والشركات التابعة والمنتسبة للشركة الأم تُعتبر وحدات اقتصادية مستقلة لها شخصيتها الاعتبارية تنفرد الشركة الأم بوضع الخطط والاستراتيجيات المتعلقة بالإنتاج والسياسات التمويلية والتسويقية. هذا بعكس عملية الإنتاج التي تتسم باللامركزية.

6. التقدم التكنولوجي، تمتلك الشركات متعددة الجنسية أكثر التقنيات تقدما وذلك لأن هذه النوع من الشركات تمتلك من الوسائل والإمكانيات المالية الضخمة التي تسمح لها بالإنفاق الكبيرة على مشاريع البحث والتطوير، فضلاً عن مقدرتها على التنقل بيسر وسهول عبر الحدود الدولية. فاغلب الشركات تمتلك حزم من براءات الاختراع والملكية الفكرية والخبرة العلمية. كما تمتلك العلامات التجارية والسمعة التي تمكنهم من المنافسة في الأسواق العالمية المختلفة.

الشركات متعددة الجنسية والاستثمار الأجنبي المباشر

من أهم القنوات التي يتحرك عبرها الاستثمار الأجنبي المباشر هي الشركات متعددة الجنسية. فمن خلال الاستثمار المباشر تستطيع الشركات الدخول للأسواق العالمية. وبحسب آخر إحصائية صادرة عن الأمم المتحدة، يوجد حوالي 77,000 شركة متعددة الجنسية مع 770,000 شركة تابعة تعمل في أنحاء العالم حتى نهاية عام 2021م. وتقدر قيمة أصول الشركات التابعة الأجنبية بحوالي 91 تريليون دولار. كما بلغت مبيعات الشركات الأجنبية حوالي 33 تريليون دولار والتي تفوق حالياً مجموع صادرات العالم، وصادراتها 6.2 تريليون دولار، أي ما نسبته 33% من إجمالي صادرات العالم. كما إن نصيب الشركات التابعة الأجنبية في الناتج المحلي الإجمالي العالمي بلغ حوالي %19، وتوظف هذه الشركات حوالي 74 مليون عامل.

والجدير ذكره ومنذ نشأت الشركات متعددة الجنسية في القرن التاسع عشر وحتى الآن لا تزال الدول المتقدمة موطن هذه الشركات، فحوالي 93 شركة من الشركات المتعددة الجنسية المائة الرائدة في العالم في عام 2023م مصدرها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية واليابان(الشكل البياني رقم 1).

 

 

وبحسب قيمة الأصول الأجنبية، جاءت شركة تويوتا اليابانية للسيارات في عام 2023م في المرتبة الأولى بين الشركات متعددة الجنسية غير المالية. حيث قدرت إجمالي أصولها الأجنبية بحوالي 432 مليار دولار، ومبيعاتها الأجنبية بحوالي 321 مليار دولار وتوظف 380 ألف موظف وعامل أجنبي. وجاءت شركة شل البريطانية في المرتبة الثانية بقيمة أصول أجنبية تقدر بحوالي 370 مليار دولار. وفي المرتبة الثالثة جاءت شركة فلوكس واجن الألمانية للسيارات بحوالي 283 مليار دولار. ثم شركة الألمانية للاتصالات بحوالي 258 مليار دولار. وفي المرتبة الخامسة كانت شركة توتال الفرنسية بقيمة أصول أجنبية تقدر بحوالي 250 مليار دولار. فيما جاءت شركة أرامكو السعودية في المرتبة التاسع والخمسين بقيمة أصول أجنبية 76 مليار دولار.

وعلى الرغم من أن الدول المتقدمة لا تزال موطن الشركات متعددة الجنسية، برزت بعض الشركات من الدول النامية التي اتجهت للاستثمار خارج حدود دولة الأم من خلال تدويل أنشطتها عبر الاستثمار الأجنبي المباشر (شكل بياني رقم 2).

 

 

 

خاص_الفابيتا