التصحيح المنتظر للأسهم الأمريكية!

31/03/2024 5
د. فهد الحويماني

 التوقعات بشأن حدوث حركة تصحيحية في الأسهم الأمريكية تتزايد مع كل ارتفاع لمؤشرات الأسهم، لكن في كل مرة يفاجأ المتابعون بعدم حدوث أي تراجع في أسعار الأسهم، وكأن الأسواق تتحدى العالم! ظاهرة غريبة حقا أن تستمر الأسهم في التماسك والصعود وتستمر السندات في التراجع، على الرغم من كثرة التحديات والتقلبات التي تواجه اقتصادات العالم، في الوقت الذي يتجاوز فيه حجم أصول صناديق أسواق النقد لأول مرة ستة تريليونات دولار، ما يعني توجه الأموال نحو العوائد العالية منخفضة المخاطرة، فمتى يأتي التصحيح المنتظر؟، في رأيي إن حركة الأسهم الأمريكية تحكمها عوامل هيكلية خاصة بها دون غيرها تجعل من الصعب جدا حدوث تصحيح أو انهيار قبل وقته، والسؤال من يحدد وقته؟ وهل بالإمكان قيام أحد ما بتحديد وقت تراجع الأسعار؟ هل أصبحت نظريات المؤامرة بشأن من يتحكم في العالم وأمواله حقيقة؟ لا ليس المقصود ذلك، لذا ذكرت أن هناك عوامل هيكلية تجعل الأسهم الأمريكية تتحرك بشكل مختلف عن بقية أسواق الأسهم في العالم، ولو نظرنا إلى أداء الأسواق في الـ15عاما الماضية فسنجد أن الأسهم الأمريكية مرتفعة أكثر من غيرها بكثير. فمثلا مؤشر إس آند بي 500 الأمريكي مرتفع 560 %، بينما الألماني 352 %، والبريطاني 103 %، والفرنسي 192 % والبرازيلي 213 %، وهونج كونج فقط 22 %.

الحركة اليومية للأسهم الأمريكية مهولة، على سبيل المثال تداولات أسهم الشركات الكبيرة المعروفة تتجاوز 100 مليار يوميا للشركة الواحدة، قارن ذلك بسوق الأسهم السعودية، العاشرة على مستوى العالم، بتداولات لا تتجاوز 10 مليارات ريال يوميا. ضخامة حجم السوق تجعل من الصعب تغيير اتجاهها بسهولة دون خروج أموال كبيرة منه في وقت قصير، ولا سيما أن معظم الملكية في أيدي مؤسسات مالية كبيرة لا تهدف إلى المضاربة، كمؤسسات التقاعد وصناديق الاستثمار الكبرى ومديري الأصول الكبار، ممن يدير أصولا تتجاوز عدة تريليونات من الدولارات. من جهة أخرى هناك مؤسسات صناعة السوق المسؤولة عن تنفيذ عمليات الشراء والبيع وتلعب دور البائع والمشتري في جميع الأوقات، ولديهم مخزونات كبيرة من الأسهم يحاولون جاهدين عدم تعريضها لأي مخاطر، فمكاسبهم تأتي من استقرار الأسهم، لا طلوعها ولا نزولها.

الأسهم الأمريكية تتأثر ليس فقط من حركات البيع والشراء اليومية، بل هي مرتبطة كذلك بأسواق عقود الخيارات والعقود المستقبلية، فعلى سبيل المثال يقوم صانع السوق بشراء كميات معينة من الأسهم مقابل بيعها لعقود "كول" في سوق الخيارات، ويقوم بالبيع على المكشوف نتيجة قيام أحد المتداولين بشراء عقود "بوت"، ما يعني أن هناك حركات متبادلة بين عقود الخيارات والعقود المستقبلية من جهة وسوق الأسهم من جهة أخرى. ولكي يحدث نزول في أسعار الأسهم فإن الأمر يتطلب قيام المؤسسات الكبيرة ببيع أسهمها بكثافة عالية لدرجة أن يجد صناع السوق أنهم غير قادرين على شرائها دون خصم كبير في أسعارها، فقبل أن يحدث ذلك لن تتراجع الأسهم بشكل معتبر.

أحد أهم أسباب تماسك الأسهم الأمريكية في الأعوام الماضية يعود إلى التطور الكبير في أسواق المشتقات المالية وانجذاب فئات عديدة من المستثمرين نحوها، مستفيدين من الرافعة المالية التي تمنحها المشتقات، لكن في الوقت نفسه هذه المشتقات تشكل تهديدا للمؤسسات المالية والصناديق الكبيرة، بمعنى أنه من وجهة نظرهم ليس من المقبول السماح لصغار المستثمرين بتعريض أصول تلك المؤسسات المالية الكبرى لمخاطر هبوط الأسعار. يمكننا ملاحظة ما يحدث في أسواق الخيارات كل أسبوع عندما يأتي اليوم الذي تنتهي فيه العقود، فنجد أن هناك حركات بيع وشراء تنجح في كثير من الأحيان بإبقاء أسعار الأسهم في أماكن تنتج عنها خسارة لأكبر عدد من العقود. فمثلا هذه المؤسسات تقوم بالبيع المغطى لعقود "كول" وتحقق دخلا من ذلك، لكنها تحرص على ألا يرتفع سعر السهم بأكثر من سعر العقد كي لا تضطر إلى بيع أسهمها، فيقومون هم وصناع السوق بموازنة أسعار الأسهم لمصلحتهم، وهي طرق قانونية لا جدال فيها.

هذه الأيام هناك زيادة في عدد عقود "بوت"، المراهنة على نزول الأسعار، فنجدها في مؤشر إس آند بي 500 أكبر بكثير من عدد عقود المراهنة على الصعود "كول"، وبحكم أن أكثر مشتري هذه العقود مضاربون ليسوا من كبار المستثمرين، ما يعني أن نزول الأسعار ستنتج عنه أرباح كبيرة لهم في حال تحقق ذلك، فمن المتوقع قيام تلك المؤسسات بعمل ما يلزم لإبقاء الأسعار متماسكة لإيقاع أكبر ضرر بحق هؤلاء المضاربين.

 

 

 

 

نقلا عن الاقتصادية