تحفيز الاستثمارات والحد من المضاربات «2 من 2»

27/11/2023 0
عبد الحميد العمري

بداية من حيث انتهى الجزء الأول، الذي أشار إلى أن استمرار المضاربات على الأراضي، وتدوير الأموال والثروات فيها بمئات المليارات من الريالات، كأحد أبرز أشكال النشاط في "الجزء غير المنتج من الاقتصاد"، يحمل معه كثيرا من التحديات والمعوقات في طريق الاستراتيجيات والمبادرات الهادفة إلى اجتذاب السيولة المحلية نحو الاستثمار في الفرص الاستثمارية الواعدة في الاقتصاد الوطني، التي سيؤدي نجاحها إلى زيادة تنويع قاعدة الإنتاج المحلية، وتعزيز ركائز النمو الاقتصادي المستدام، إضافة إلى مساهمتها المهمة في زيادة توفير آلاف الوظائف أمام الموارد البشرية المواطنة. والعكس صحيح، كلما تدنت التدفقات الاستثمارية باتجاه تلك الفرص الاستثمارية الواعدة، وذهبت عوضا عن ذلك نحو تدويرها في المتاجرة في الأراضي والمضاربة عليها، تقلصت حظوظ المستهدفات عن التحقق، وأدى ذلك إلى إضعاف جهود زيادة تنويع الإنتاج، وتعزيز النمو، ونمو الوظائف.

الأمر لن يقف عند حدود ما تقدم ذكره أعلاه، ذلك أن من أهم نتائج ارتفاع نشاطات المضاربة على الأراضي، أنها ستؤدي إلى زيادة تضخم أسعار الأراضي وارتفاع تكلفتها على المشتري النهائي، سواء كان المشتري منتجا أو مستهلكا، وهذا بدوره يعني ارتفاع تكلفة الاستثمار على جميع أطراف ومكونات "الاقتصاد المنتج"، الذي تنتظر منه مساهمة أكبر في تنويع الإنتاج وتعزيز النمو وتوفير الوظائف، على العكس تماما من الأطراف التي تعمل فقط على تدوير مئات المليارات في شراء وبيع الأراضي دون أي تطوير أو تشييد أو انتفاع منها. ويضاف إلى ما سبق ذكره، أن الآثار العكسية للارتفاع المطرد لأسعار الأراضي والعقارات الناتج عن المضاربات والاكتناز طويل الأجل، تسهم بدرجة رئيسة في زيادة المعدل الكلي للتضخم، سواء من خلال رفع تكلفة الإنتاج على المنتجين، أو من خلال رفع تكلفة الاستهلاك على المستهلكين، وذلك عن طريق رفع تكلفة التملك أو تكلفة الإيجار، والتأكيد هنا أيضا على أن تقلص القدرة الشرائية للمستهلكين، إما نتيجة ارتفاع استقطاعات سداد التملك أو ارتفاع استقطاعات الإيجارات، سيؤثر سلبا في مكونات "الاقتصاد المنتج"، ويقلص بدوره من التدفقات الداخلة على منشآت القطاع الخاص، ليجد نفسه مستقبلا واقعا تحت ضغوط ارتفاع تكلفة الإنتاج عليه من جانب، ومن جانب آخر تدني حجم التدفقات الداخلة عليه، وكم من حالات إفلاس المنشآت المتوسطة والصغيرة التي وقف خلف توقف نشاطها تلك الأسباب!

ليس ما تقدم إلا جزءا بسيطا جدا من الصورة الأكبر للتشوهات أو المخاطر، التي يحملها ارتفاع زخم المضاربات على الأراضي "والاكتناز أيضا" لاستقرار الأداء الاقتصادي الكلي. لهذا لا بد من حلول فاعلة تحد بدرجة كبيرة جدا من هذه الممارسات غير المفيدة للاقتصاد والمجتمع، التي تأكد للجميع أن أضرارها الاقتصادية والمالية والاجتماعية أكبر مما قد يتصوره البعض، وهي الحلول التي يجب أن تنطلق من مبدأ مهم جدا، يقوم على التفرقة الرئيسة بين "مشتر نهائي" يستهدف فعليا الانتفاع من الأرض ببنائها والتشييد عليها "سواء مستهلكا أو منتجا"، وتمييزه عن مشتر آخر لا يتجاوز هدفه الاحتفاظ بالأرض لفترة من الزمن، ومن ثم إعادة بيعها لمشتر آخر وكسب الفارق بين سعري البيع والشراء، وسيكون الأمر أكثر تحديا إذا ما كان المشتري الثاني مضاربا أو مكتنزا، مثل المشتري الأول. وكم سيكون الأمر أكثر تحديا من كل ما سبق إذا تكرر تداول تلك الأرض مرات عدة بين مشترين وبائعين، مضاربين أو مكتنزين. وفي نهاية هذه الحلقة المفرغة من المضاربات والاكتناز، كم سيكون على المشتري النهائي "مستهلكا أو منتجا" أن يدفع مقابل الانتفاع فعليا من هذه الأرض، بعد أن تم تداولها مضاربة واكتنازا وخروجها بعد طول انتظار من هذه الحلقة المفرغة؟!

يأتي التفكير في أهمية إقرار الحلول التي تستند إلى التفرقة بين "مشتر نهائي" يستهدف الانتفاع من الأرض وإعمارها، وتمييزه عن مشتر آخر لا هدف لديه إلا تحقيق مكاسب مضاربة أو اكتناز. والتأكيد هنا على أن "المشتري النهائي" سيعتمد في الأغلب على التمويل البنكي، بينما المشتري الآخر تتوافر لديه السيولة والثروة الكافية للشراء دون الحاجة إلى التمويل، ويبرر سلوكه هنا على أنه مجرد مستثمر يبحث عن تحقيق الربح لنفسه، ما يؤكد فعليا أن فرص الاستثمار المجدية الأخرى والأكثر نفعا للاقتصاد والمجتمع حتى له بالتأكيد، يراها أكثر صعوبة من ممارسات المضاربة على الأراضي أو اكتنازها. لهذا لا بد من نقل هذه الممارسة السهلة "المضاربة، الاكتناز" إلى منطقة أكثر صعوبة وتكلفة على من ينوي القيام بها، وبما يؤدي إلى تحول تلك الأموال والثروات الضخمة نحو القنوات الاستثمارية المجدية للجميع، وهذا يقتضي تصميم منظومة من الحلول يتدخل في وضعها عديد من الأجهزة الحكومية التنفيذية، تأتي في مقدمتها وزارة الاستثمار بصفتها الجهاز المسؤول عن تنظيم وتطوير بيئة الاستثمار المحلية.

لا يستهدف الحديث هنا مجرد القضاء على ممارسات اكتناز الأراضي والمضاربة عليها -رغم ثبوت مخاطرها الكبيرة على الأداء الاقتصادي الكلي-، بقدر ما أنه يستهدف فعليا حماية مقدرات الاقتصاد الوطني عموما، ومكونات الاقتصاد المنتج تحديدا، والمجتمع والقطاع التمويلي من أي تحديات أو مخاطر محتملة، في مقدمتها "التضخم" الناتج عن تفاقم ممارسات الاكتناز والمضاربة على الأراضي، وما قد ينشأ من تحديات أخرى تتعلق بارتفاع تكلفة الإنتاج والاستهلاك على حد سواء، إضافة إلى ما ستتسبب فيه من ارتفاع مخاطر مرتبطة بالائتمان الممنوح من الجهات التمويلية المحلية.

يشار دائما إلى أن ارتفاع حدة المضاربات في الأسواق المالية له مخاطر تستوجب تدخل الأجهزة الرقابية للحد منها، وإيقاع أشد العقوبات على المتورطين فيها، ودائما ما يحظى ذلك التدخل الرقابي بالترحيب، كونه يوفر مزيدا من الثقة والاستقرار لتلك الأسواق. وإذا كان كذلك في أوراق مالية يتم تداولها بين مجموعات من المستثمرين، فهو أولى بكثير في حالة الأصل الأهم والأوسع انتشارا في حياة الاقتصاد والمجتمع ممثلا في عنصر "الأرض"، التي لا يمكن لأي عملية تنموية، أو اقتصادية، أو إنتاجية، أو استثمارية، أو أي نشاط حيوي للمجتمع في أي من مكوناته أن يقوم إلا بوجود عنصر "الأرض"، ما يقتضي بكل تأكيد بذل الجهود اللازمة والكافية والجادة الكفيلة بحمايتها من أي ممارسات قد تؤدي إلى التضخم الكبير في أسعارها، والتسبب من ثم في إلحاق الأضرار بمقدرات الاقتصاد والمجتمع.

 

 

 

نقلا عن الاقتصادية