اصطدام الفائدة والتضخم والديون الضخمة

23/08/2023 0
عبد الحميد العمري

يمكن القول إن القصة الحقيقية للارتفاع الأسرع لمعدل الفائدة خلال عام ونصف العام، لم تكتمل بعد! فما قام به أكبر 39 بنكا مركزيا في العالم من اتخاذ أكثر من 300 قرار برفع معدل الفائدة خلال الفترة الماضية، لم ينتج عنه حتى تاريخه سوى تقليص جزئي لمستويات التضخم الأعلى عالميا خلال أكثر من أربعة عقود زمنية مضت، ولا تزال بعيدة عن المستويات المستهدفة عند 2.0 في المائة، ويزداد وقع تلك التحديات مع توقعات عودته إلى الارتفاع خلال النصف الثاني من العام الجاري، متأثرا بارتفاع أسعار كل من الطاقة والغذاء، وقد تتسبب أسعار الغذاء التي بدأت بالتصاعد أخيرا مدفوعة بالارتفاع المتسارع لأسعار الأرز والقمح، نتيجة للأزمات الراهنة في الصين والهند وروسيا، إلى دفع التضخم نحو الارتفاع مجددا إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة، وفقا لتوقعات المنظمات والوكالات الدولية.

وفقا لمحاضر اجتماعات مجالس إدارات البنوك المركزية الأخيرة بقيادة "الاحتياطي الفيدرالي" الأمريكي، التي أوضحت أن معدل الفائدة سيبقى عند مستوياته المرتفعة الراهنة خلال العامين المقبلين على أقل تقدير، وأن المعركة مع التضخم الصلب وتوقعات عودته إلى الارتفاع مجددا، قد تقتضي من البنوك المركزية قيامها برفع الفائدة بوتيرة أقل مما سبق، إلا أن قرارات الرفع التي ستذهب بها إلى مستويات شاهقة الارتفاع قد تكون الأعلى خلال العقود الأربعة الماضية، وهي المعطيات البالغة الصعوبة التي ستفرض أثقالها بكل تأكيد على عالم يواجه كثيرا من التحديات الجسيمة في وقت واحد، بدءا من الاضطرابات الجيوسياسية في كثير من المناطق الأكثر تأثيرا في الاستقرار الاقتصادي والمالي العالمي، مرورا بارتفاع حجم الديون ووصولها إلى أعلى مستويات تاريخية من عمر البشرية، بدءا من الحكومات التي أصبحت تتحمل أكثر من 92 تريليون دولار (345 تريليون ريال) حتى نهاية العام الماضي، وتحت ضغوط الأوضاع الراهنة غير المواتية للاقتصاد العالمي، خاصة في الاقتصادات المتقدمة والأكبر عالميا، فهي تتجه إلى مزيد من الارتفاع خلال العام الجاري والمقبل.

أما الديون الواقعة على كاهل الشركات والأسر حول العالم، فتتجاوز كثيرا ذلك المعلن عنه على الحكومات، وقد بدا شبح تعثر كبرى الشركات عن السداد وتقدمها بطلبات الإفلاس مشهدا معتادا في الأسواق العالمية، وما تعانيه كبرى شركات التطوير العقاري الصينية إلا قشة في كومة حطب الديون الهائلة التي تتحملها الشركات حول العالم، وهي المشاهد الداعية إلى مزيد من قلق الأسواق والمستثمرين في كثير من الأسواق الرئيسة، الذي يؤكده تسارع عمليات التخارج من الاستثمارات عالية المخاطر، والتوجه نحو الأدوات الأدنى مخاطرة، الأمر الذي ستقترن تداعياته العكسية على الأسواق بمزيد من الإجراءات المتشددة للبنوك المركزية حول العالم، سواء عبر المحافظة على المعدلات المرتفعة للفائدة، أو عبر الاستمرار في رفعها رغم تلك التداعيات، أو عبر الاستمرار في سحب السيولة الفائضة من الأسواق والاقتصادات المقدرة بتريليونات الدولارات الأمريكية، ولن يقف الأمر عند ما تقدم.

إذ إن ارتفاع توقعات دخول الاقتصاد العالمي في حالة من الركود للأسباب السالفة الذكر، والأزمات والاضطرابات التي تشهدها الاقتصادات المتقدمة والناشئة (الصين، الهند)، تؤكد أن الركود قد يخيم على أغلبية خريطة الاقتصاد العالمي خلال الربع الأخير من العام الجاري، وقد يمتد إلى الربعين الأول والثاني من العام المقبل، وهي التحديات التي من شأنها إذا اقترنت بمعدلات فائدة مرتفعة، ومستويات تضخم مرتفعة أيضا مدفوعة بالارتفاع القياسي المرتقب والأعلى لأسعار الغذاء للأسباب المذكورة أعلاه، كل ذلك من شأنه أن يقف بالأجهزة الاقتصادية والمالية والنقدية الحكومية في مختلف الدول أمام حزمة من التحديات الجسيمة بالغة التعقيد، وقد تتحول القصة العالمية بأكملها إلى منحى آخر أكثر وعورة وصعوبة بحال تأكدت التحذيرات الأخيرة لمنظمة الصحة العالمية، من احتمال اصطدام المجتمعات بمتحور جديد لفيروس كورونا، إضافة إلى الصراعات الجيوسياسية الراهنة التي لم يعد الجميع يحتمل استمرار اشتعالها، فما بالك إذا اتجهت إلى مزيد من التصعيد أو اشتعال مزيد منها في مناطق أخرى، ودون إغفال للاضطرابات المناخية التي تنوعت وتعددت أشكالها على امتداد واتساع المعمورة أخيرا، ووفقا لما تنقله ساعة بساعة وكالات الأنباء والقنوات الفضائية.

ليس الأمر هنا مرتبطا برسم صورة بالغة التشاؤم، بقدر ما أنها استندت في محاولة استيعابها كما هي اليوم، وفقا للبيانات الرسمية الدولية، ووفقا لما هي عليه واقع مشاهد من الجميع لا مجال للهروب من الاعتراف به، وأهمية أخذ تلك المعطيات والمتغيرات في حسبان أي قرارات محتملة من مختلف الحكومات والهيئات والمنظمات الدولية، التي بدورها تحتل المكانة الأثقل وزنا في اعتبارات الأسواق والمستثمرين حول العالم، بدورها أيضا ستترك آثارها في سمات وطبيعية حياة المجتمعات والأفراد بكل تأكيد في نهاية المطاف.

ختاما، سيكون الطرف الأكثر استعدادا وتحوطا أقل المتضررين، بل قد يخرج في نهاية المرحلة الراهنة كاسبا أكثر مما تحمل من خسائر وتكاليف! على العكس منه، الذي تجاهل أو قلل من المخاطر الراهنة، لأي سبب كان ما تنطق به حقائق ومجريات الواقع العالمي اليوم من محاذير بالغة، فقد تتضاعف خسائره بدرجة كبيرة يصعب تعويضها في الأجلين المتوسط والطويل، وليس الأمر مرهونا هنا بتغيير موقف أي من الطرفين، بقدر ما أنه رأي قابل للخطأ قبل الصواب، يضاف إلى جملة التصورات الكثيرة جدا التي تتدفق على الوعي العالمي، وقبل ذلك امتداد لما سبق تصوره خلال العام الماضي، حينما انتفضت البنوك المركزية بخيلها ورجلها رفعا للفائدة، وتشديدا على السيولة، وتحقق كثير من تداعياته العكسية التي تم توقعها قبل حدوثها بأشهر طويلة.

 

 

 

نقلا عن الاقتصادية