السياسة البشرية

19/07/2022 2
فواز حمد الفواز

جاءت رؤية المملكة لإحداث نقلة نوعية في المجتمع السعودي تنمويا، خاصة من المدخل الاقتصادي. برامج الرؤية متعددة لأنها تحاول التحديث من عدة مستويات، فهناك منحى اجتماعي لدعم المشاركة النسائية، ومنحى مادي؛ كالانفتاح على نشاطات أخرى والاهتمام بالاستثمار خارجيا وداخليا، واقتصاديا لتطوير القاعدة الاقتصادية أفقيا؛ كتنويع الاقتصاد، مثل الاهتمام بالسياحة والتصنيع المدني والعسكري، ورأسيا لتعميق المعرفة وسلاسل الإنتاج في الصناعات الصحية؛ كالأدوية والتعدين ومستلزمات الطاقة، خاصة المتجددة. وأخرى تخصصية، يجتمع فيها الأفقي مع الرأسي، ربما آخر مبادرة جاءت بشرية، إذ تحاكي البحث والتطوير والإبداع. سلسلة برامج نهضوية شاملة لم تشهدها المملكة في تاريخها الحديث.

موضوع المقال «السياسة البشرية» لأننا اعتدنا على نقاش السياسة العمالية، وسياسة الاستقدام، والسياسة التعليمية، بمعزل عن الأجزاء الأخرى. سياستنا البشرية لم تكن شاملة، إذ دائما ما نتحدث عنها جزئيا، وإذا ذكرت كانت في سياق الرفاه وما تقدمه الحكومة لدعم المواطن. لا شك أن الدعم كان حاسما في نقل المجتمع، لكننا دخلنا مرحلة تتطلب دقة أكثر واستعدادا للمنافسة وإدخال الجدارة كعوامل متحركة لإدارة البشر. الإشكالية في الأغلب في محاولة الحلول حين نركز على جزء على حساب أجزاء أخرى، بل في الأغلب هناك تناقض حين نحاول أن نركز على جزء واحد للحلول، ما يرفع التكلفة المالية ويضيع الجهود الاقتصادية ويضعف المصداقية المؤسساتية. تفصيليا، أيضا تحت كل جزء هناك جزئيات، فمثلا في السياسة التعليمية، هناك البعثات وهيكل التعليم والاهتمام بالمنافسة العالمية والشهادات المهنية على حساب الأكاديميات. وفي سياسة الاستقدام، هناك تفاصيل أخرى، مثل أنواع المهن ومدة العمل والإقامة حتى توزيع الجنسيات. وفي السياسة العمالية، هناك نسبة المشاركة القليلة نسبيا وساعات العمل ومستوى الأجور. لذلك لا يمكن للحلول أن تكون جزئية في مستوى معين.

الخلفية التاريخية مهمة والمتمثلة في توافر المال لتضخيم وتطوير الاقتصاد، وبالتالي الخلط بين التضخيم والنمو العضوي. الثروة المالية مكنت المملكة من قفزة تنموية تاريخية في ظل قيادة جعلت رفاهية المواطن محور اهتمامها. السبب الآخر، عملي فيما يصف الاقتصاديون بقوة الطريق المعتاد، فما إن تساهلنا في الاستقدام، تعود الكل عليه، وأحيانا أصبح حقا للبعض سواء في أقبح أشكال التستر أو المنافسة الضارة للتوطين أو في الجوانب الإيجابية للاستقدام، لأن العدد السكاني والمهن الحديثة لم تكن متوافرة لتحقيق الطموحات. تعقيد وتشعب الموضوع يجعلانه دون حل مثالي، ولا أعتقد أن هناك حلا سحريا. فكما يقال ليس هناك حل كامل، لكن مجرد مفاضلة بعين على المدى البعيد. قبل اقتراح أي حل لا بد من ذكر بعض القيود أو المدخلات لكي نؤسس لإجماع نظري وعملي. أولها أن الاقتصاد يغلب عليه الطابع الاستهلاكي. الحلول لا بد أن تبدأ من سياسات شمولية تكون واعية بالتفاصيل. أحد الحلول تقليل طلاب الجامعات وهذا صعب، لأن هناك إجماعا على مركزية التعليم الجامعي دون خوض في أي تفاصيل، التعامل مع هذا لا بد أن يمر من خلال رفع مستوى التعليم الفني ومنحه فرصة أعلى لدخول مخرجاته للكليات العسكرية والأمنية لتطوير الأمن فنيا وعلميا، وهو أحد مصادر التحولات في المجتمع. أيضا هناك حاجة إلى اختبار تأهيلي لكل موظف حكومي قبل أن يرتقي في المسؤولية؛ ما يرفع التجانس والفاعلية بين الأجهزة العامة حتى في القطاع الخاص، إذ إن التفاعل بين القطاعين ضروري. لا بد من تحديد تخصصات وأقسام في الجامعات المعروفة للبعثات، ولا بد من شهادات الكفاءة المهنية المتخصصة في كل مجال لتكون مربوطة بالترقية والتقدم الوظيفي.

 

 

نقلا عن الاقتصادية