نهج الرؤية وتجارب الماضي

03/05/2021 0
د.صالح السلطان

تطرق ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في لقائه الثلاثاء الماضي إلى نهج الدولة وسياستها في زيادة دخل المواطن زيادة تتصف بالاستمرارية والرسوخ بتوفيق الله. مما قاله ولي العهد: "أول الأولويات أن يكون لدي مالية مستقرة وقوية تستطيع أن تستمر ولا تستنزف ومن ثم ندخل في خانة صعبة جدا لا نستطيع أن نوفر نموا فيها في المستقبل. فأستطيع أن أنفق إنفاقا عاليا جدا وأستنزف مدخرات صندوق الاستثمارات العامة ومدخرات البنك المركزي وخفض معدل البطالة في يوم واحد إلى 3 في المائة.. لكن هل هذا مستدام؟ هذا خمسة أعوام وستكون هناك مشكلة أكبر وفيه استنزاف لماليتك ولن تكون لديك قدرات ولا فرصة للنهوض.

فالشيء الأول لا بد من المحافظة على مالية متينة مستمرة قوية مستدامة وتؤدي إلى الغرض المطلوب للأبد، والشيء الثاني أن تحافظ على الاقتصاد أن يستطيع أن ينمو ويستطيع أن ينهض دون اعتماد زائد على إنفاق الدولة الجاري". انتهى النقل من حديث ولي العهد.

تجارب الماضي بما في ذلك توصية يوسف الصديق أكدت وبقوة ما قاله ولي العهد.

مرت بالمملكة طفرة نفطية جلبت طفرة اقتصادية بين 1975 و1985. ثم حصل العكس في الأعوام الـ20 التالية. خلالها انخفضت أسعار النفط وإيراداته. وجلب انخفاض إيراداته عجزا مزمنا في الميزانية تسبب في دين عام بلغ من الضخامة حدا حرجا، وتناقص شديد في الإنفاق الرأسمالي الحكومي. يضاف إلى مستوى إنتاجي منخفض للفرد.

ثم ماذا؟ وقعت البلاد تحت مشكلة تباطؤ فانخفاض في النمو الاقتصادي خلال هذه المدة. وكان النمو سالبا في بعض الأعوام. مع تزايد السكان والاعتماد المفرط على دخل النفط، انخفض متوسط دخل الفرد بمتوسط بلغ 1 في المائة تقريبا سنويا. بينما شهدت الدول الصناعية والدول حديثة العهد بالتصنيع، خلال الفترة نفسها زيادات ملحوظة في ذلك المتوسط تراوح أغلبه بين 2 و6 في المائة سنويا.

حديث ولي العهد يؤكد هدف الرؤية بأهمية العمل على تحقيق ازدهار اقتصادي راسخ يتصف بصفات منها أن الأصل أنه أقل اعتمادا على النفط والسحب من مدخرات الدولة. ولهذا متطلبات.

توصيات يوسف الصديق تبين لب علم الاقتصاد وتزيد من تأكيد أهمية ما عملت وتعمل الرؤية على تحقيقه. كيف؟

تسعى المجتمعات والدول في الجانب الاقتصادي إلى تحقيق الكفاءة. وتبعا، كانت محاولة تحقيق هذه الكفاءة هي أهم أهداف علم الاقتصاد. وعلى رأس الكفاءة محاولة الوصول إلى فهم التوزيع الأمثل للموارد. ذلك أن الموارد ليست متاحة بالقدر والشكل الذي نطلبه كل وقت. والتوزيع الأمثل يعني أنه لا بد من منهجية وخطة وترتيبات للتوزيع الأنسب.

قال سبحانه "وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلوني يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون".

فسر يوسف عليه السلام الرؤيا بحصول طفرة. لكن الطفرة ليست مستدامة. وهذا يستلزم التخطيط بما يراعي الأحوال بعد الطفرة.

تحمل الخطة مبدأ المشاركة بمختلف مسؤوليات الناس. فقد جاءت خطابات يوسف بصيغة الجمع، وليست بصيغة المفرد.

أكثرية الناس بمختلف مستوياتهم لا تحب تطبيق ما سبق، فهم يميلون إلى صرف كل ما في الجيب، سواء جيبهم أو جيب الدولة. ويحبون الاستشهاد بعبارات تتفق مع الهوى. ولكنه ميل تنبغي مجاهدة النفوس لضبطه. وكان ذلك أحد أسباب ازدهار اقتصاد مجتمعات ودول حديثا.

وتطبيقا على المستوى الاقتصادي الكلي، نعرف تحسن أسعار النفط بين وقت ووقت. وأحد الدروس أنه تحسن غير مضمون. وبغض النظر عن هذا، فإن نعمة بقاء النفط واستمراره لتوفير مستويات كريمة من العيش لأغلبية السكان متذبذبة بقوة ومؤقتة. والدرس أن على الجميع التضحية وتغيير السلوك، نحو اقتصاد أفضل. وهذا ما عملت وتعمل الرؤية على تحقيقه. باختصار الاجتهاد بفعل الأسباب وسؤال الله التوفيق.

 

نقلا عن الاقتصادية