توطين المناصب القيادية والتنفيذية .. أولا

18/07/2018 7
عبد الحميد العمري

أظهرت دراسة حديثة لوزارة العمل والتنمية الاجتماعية "فبراير 2018"، أن معدل البطالة بين المواطنين والمواطنات في حال لم تتدخل الوزارة بإجراءات وقرارات صارمة، تستهدف مزيدا من توطين فرص العمل في منشآت القطاع الخاص، سيكون هذا المعدل مرشحا لمزيد من الارتفاع، وأنه قد يصل إلى 23.2 في المائة "أعلى من 1.6 مليون عاطل وعاطلة" بحلول 2020، يتوزع بين 12.8 في المائة للذكور "651 ألف عاطل"، ونحو 49.8 في المائة للإناث "976 ألف عاطلة".

إن مواجهة تحدي البطالة وفقا لما تظهره البيانات الرسمية، ودراسات وتقديرات الأجهزة الرسمية وأولها وزارة العمل والتنمية الاجتماعية، تجعله في مقدمة التحديات التنموية الكبرى الواجب مواجهتها على أعلى درجات الحزم والعزم. كما تؤكد أنه لا مجال للقبول بأي أعذار - أغلبها واهي الحجة - قد يفتعلها عديد من أرباب القطاع الخاص، سعيا إلى تأجيل أو إلغاء القرارات والإجراءات الهادفة إلى توطين فرص العمل في القطاع الخاص.
ذكرت مرارا وتكرارا أن الصعوبات الكأداء، التي ترسخت أقدامها رسوخا لافتا في مختلف أروقة القطاع الخاص، ووقفت خلف تفاقم معدل البطالة محليا، وفي الوقت ذاته وقفت خلف تزايد أعداد العمالة الوافدة في السوق المحلية، أؤكد أن مواجهة تلك الصعوبات لا يكفي أن تقف في وجهها وزارة العمل وحيدة، بل لا بد أن تتكاتف معها الأجهزة الحكومية كافة، وعلى القدر نفسه من الأهمية تكاتف أرباب القطاع الخاص أيضا.

إننا في حاجة إلى منظومة عمل أكثر كفاءة وقوة ارتباط؛ للوقوف على قدر أكبر من قوة المواجهة مع تحدي البطالة محليا، وهو أمر يدعو إلى القلق أن تشاهد نوعا من البطء في جهود "وزارة العمل" نفسها، وهي التي في مقدمة الصف المواجه للبطالة، وبطء أكبر تجده قد يغلب على مشاركة بقية الأجهزة الحكومية، يدعوك إلى القلق بدرجة أعلى؛ ممانعة غالبية منشآت القطاع الخاص لقرارات وإجراءات التوطين الراهنة، كل هذا الترهل في منظومة عمل مواجهة البطالة، لا يجب السماح له بمزيد من الوقت أو المكان أو حتى الوجود، بل لا بد من معالجة أشكال ضعفه الكامن، وتخطيه إلى أبعد من كل ما تم اتخاذه من تدابير وإجراءات تستهدف التوطين.

سيأتي لاحقا الحديث حول ما يجب على بقية الأجهزة الحكومية ومنشآت القطاع الخاص في هذا الشأن، والتركيز هنا على ما يجب على وزارة العمل والتنمية الاجتماعية القيام به، إضافة إلى ما قامت به حتى تاريخه، مع تذكيرها بضرورة العودة إلى محتوى "استراتيجية التوظيف السعودية"، التي سبق مناشدة الوزارة بإعادة إحياء العمل بتلك الاستراتيجية المهمة جدا؛ نظرا لما تحمله من شمولية أكبر تجاه حلول البطالة محليا، تفوق كثيرا كل ما تعمل عليه في الوقت الراهن من برامج للتوطين.

إنما من أهم ما يجب على "وزارة العمل" في الوقت الراهن القيام به، أن توجه قوتها الصارمة نحو توطين المناصب القيادية والتنفيذية في منشآت القطاع الخاص، تلك المنطقة الأثمن أجورا، والأقوى في موقع اتخاذ قرارات منشآت القطاع الخاص، وهي المنطقة التي تنتهي عند جدران قلاعها الحصينة فاعلية أي قرارات أو إجراءات للتوطين! بل هي المنطقة الأولى التي تأتي منها ممانعة أغلب منشآت القطاع الخاص، تجاه أي جهود أو قرارات تستهدف رفع نسبة توطين الوظائف في القطاع، وهي المنطقة التي وقفت خلف كثير من تشوهات سوق العمل المحلية، ووقفت أيضا خلف استشراء أشكال التوطين الوهمي تجاوزا لمعايير نطاقات.

تمتلك "وزارة العمل" كثيرا من الأدوات التي ترغم منشآت القطاع الخاص على زيادة توطين المناصب القيادية والتنفيذية فيها، ولو رجعت وزارة العمل إلى مقارنة زيادة نفوذ وسيطرة العمالة الوافدة على تلك المناصب خلال 2011-2017، لوجدتها ارتفعت من أدنى من 10 في المائة في بداية الفترة، إلى نحو نصف مقاعد تلك المناصب بنهاية الفترة، ووجدت أن أغلب تعثر برامج وسياسات التوطين طوال تلك الفترة، وتسببها في استمرار ارتفاع معدل البطالة، تزامن فعليا مع زيادة ذلك النفوذ والسيطرة على صناعة قرارات منشآت القطاع الخاص، والتأكد لديها أنه مهما ابتكرت من برامج وسياسات دون المساس بهذا الخلل الجوهري والخطير، فإن أغلب تلك البرامج والقرارات مآله إلى الفشل أو التعثر، أمام قوة جدران تلك الشريحة من العمالة الوافدة المسيطرة على قرارات القطاع الخاص.

تلك الأدوات الفاعلة، اعتماد تغيير جذري لرسوم العمالة الوافدة ومرافقيها مرتبطة بمستويات الأجور السنوية المدفوعة لها، كلما ارتفع الأجر السنوي ارتفعت تلك الرسوم، فما يحدث الآن لا يشكل نسبة رسومه المتحصلة على تلك الفئات شيئا يذكر، ونظرا لارتفاع الأجور السنوية للعمالة الوافدة المسيطرة على المناصب القيادية والتنفيذية، قد لا تتجاوز نسبة تلك الرسوم حتى مع أعلى مستوى مستهدف لها بحلول 2020 سقف 0.5 إلى 1.0 في المائة.

كل هذا يستدعي إقرار طريقة أخرى لتحصيل رسوم العمالة الوافدة، يبدأ الحد الأدنى لها من المستويات المحددة في الوقت الراهن، ثم تتصاعد كنسبة من الأجور السنوية المدفوعة للعمالة الوافدة حسب مستوياتها الفعلية، وهو الأمر الممكن تنفيذه بكل يسر وسهولة، قياسا إلى ما أصبح متوافرا لدى وزارة العمل من أنظمة رقابية دقيقة على الأجور المدفوعة للعمالة في القطاع الخاص، مواطنين ووافدين على حد سواء.

ينبغي لـ"وزارة العمل" التأكد من أن رسوم العمالة الوافدة ليست إلا جزءا من حلول أكبر، تقتضي الإسراع من قبلها في اتجاه تطبيقها، تشمل تلك الحلول في مجملها: ضرورة استدراك الأوضاع المعقدة التي يواجهها العاملون والعاملات من المواطنين، وأهمية مراجعة وتطوير نظام العمل الراهن، مرورا بتكثيف جولاتها التفتيشية على منشآت القطاع الخاص، والتصدي الصارم للممارسات التعسفية التي تعانيها العمالة الوطنية، تلك الممارسات التي تستهدف "تطفيشهم" من أعمالهم، والتنازل قسرا عن مصدر دخلهم الثابت، وأهمية تأسيس مركز اتصال لحماية العمالة الوطنية من تلك الممارسات القسرية المحتملة، يتولى استقبال الشكاوى والتعامل معها في سرية تامة، والعمل على تسويتها بحال ثبوتها.

الأهم من كل ذلك، أن تعمل "وزارة العمل" على تصميم برامج مختصة ونافذة، تستهدف تحديدا زيادة "توطين المناصب القيادية والتنفيذية في القطاع الخاص"، فما جرى ويجري على أرض الميدان في وظائف القطاع الخاص من زيادة مفرطة لتوظيف العمالة الوافدة، وتعيينها في أعلى المناصب القيادية والتنفيذية في الشركات والمؤسسات، كل ذلك جاء على حساب الكفاءات الوطنية التي تزخر بها الشركات والمؤسسات نفسها. والله ولي التوفيق.

نقلا عن الاقتصادية