هل اهتز الأمان الوظيفي في ارامكو السعودية؟!

06/12/2017 11
د. فيصل مرزا

صناعة النفط لدينا وصلت إلى مراحل متقدمة جدا تضاهي كبار المنتجين في العالم، وأثبتت الكفاءات السعودية بأنها هي من الأعلى عالميا، وذلك بفضل الله ثم بفضل دور أرامكو السعودية الريادي كحاضنة للتطوير ، والتدريب الوظيفي على مدى عقود، بحيث جنى منسوبوها من تدريب وتطوير الكفاءات ماقد يضاهي ماجنوه أكاديميا!

لذلك فإنه من غير الحكمة أن تتخلى أرامكو السعودية عن هذا الدور الريادي وتقدمه على طبق من ذهب إلى الشركات الأجنبية! ولا يعقل أن تتخلى عن موظفيها من ذوي الخبرات المتراكمة ، والتجارب لكي يعملوا مع شركات أجنبية حتى ولو كانت مشاريع مشتركة!

بعد أن أشرت في مقال سابق إلى الفصل التعسفي لموظفي الخدمات الطبية بأرامكو السعودية في حال رفضهم التوقيع ، والإنضمام إلى جون هوبكنز، من المؤلم أن الفصل التعسفي مازال مستمرا لمن يرفض التوقيع مع جون هوبكنز! مع أن خيارات النقل متاحة للإدارات الأخرى بأرامكو، ولكن قد فاز بها أصحاب النفوذ في الشركة! وكان من المفترض أن يتم ذلك بإبتكار تسويات مناسبة لذوي الحالات المشابهة، بالمرونة والمنطقية، والنظامية بدلا من التدافع والإذلال، إبتداء بدراسة أنواع الموظفين، وتصنيفاتهم حتى يتم الانتقال بسلاسة، وسلامة واطمئنان وأمان وثقة وعرفان!

* من الفصل التعسفي إلى الإعارة التعسفية!

هناك نماذج أخرى للإجراءات التعسفية ، ولكن في هذه المرة تتمثل في الإعارة التعسفية لموظفي "خدمات أعمال الحفر" في أرامكو بإجبارهم على الإنضمام إلى المشاريع المشتركة (سوف اتكلم في مقال آخر بالتفصيل عن وثيقة الإعارة التي سلمت للموظفين إن شاء الله)، وهي عبارة عن أداة تهدم إرث أرامكو السعودية المتراكم منذ 85 عاما، لأن ذلك سيشكل فجوه عميقة في الخبرات المتراكمة في عصب مجال النفط وهو "اعمال الحفر"، كما أنه سوف يؤثر في انقطاع سلسلة الأبحاث، والمعرفة بدلا من الحفاظ عليها عبر الأجيال، الأمر الذي قد يؤدي إلى فقدان عملية نقل المعرفة "Knowledge Transfer“، وهذا يتعارض مع سياسات الشركه في المحفاظة على نقل الخبرات والإستمرارية برفع مستوى التميز التشغيلي!

أعمال الحفر هي مصدر %90 للميزانية، والموارد البشرية في أعمال الحفر في أرامكو هي العنصر الأساسي لإستقرار ميزانية المملكة لأكثر من ثمانية عقود من الزمن من تطوير هذا القطاع وتقنياته! وهي أصعب مهن تزاول في قطاع النفط تحت ظروف شاقة، ولا يختلف أحد في قطاع النفط على أن موظفي الحفر يواجهون أصعب وأقسى الظروف، وقد تركوا عوائلهم، وأبنائهم وضحوا باوقاتهم ليعملوا في الحقول البعيدة!

إن رؤية 2030 تعزز الشراكات الأجنبية الاستراتيجية التي تساهم في خفض نسبة البطالة، واستقطاب وتوظيف ابناء الوطن بدون فصلهم، أو نقلهم من وظائفهم، ويجب أن لا نغفل هذا الجانب المهم، ونحن بصدد ضياع تلك الموارد البشرية التي يرتكز عليها انتاجنا، وكما تعلمون، أو كما يعلم الكثيرون أن أرامكو السعودية قد كونت شركات تشغيلية، ولاضير في الشراكات ولكن دون التخلي عن أبناءنا، لأنه سيكون لذلك آثار سلبية على المراكز الحساسة في الكفاءة والإنتاجية، لأن الإحصائيات تشير إلى أن أعداد من غادروا أرامكو من (استقالات و تقاعد مبكر) منذ عام 2009 في تزايد مستمر! مما أحدث فجوة عميقة في نقل المعرفة والخبرات التي تراكمت عبر الأجيال، عليها فقد تتأثر معدلات كفاءة الأداء!

أرامكو السعودية قدوة مشرفة، وواجهة عظيمة للبلاد، إلا أن خللا في سياستها الداخلية مؤخرا هاجم أول ما هاجم نفسه ليبتر أجزائها واحدا تلو الآخر بطريقة غير مدروسة قد تمزق صورتها المثالية! وهذا نتيجة للقرارات غير المدروسة لأصحاب هذه الأفكار، وذلك لغرض الظهور بشكل أفضل أمام المسؤولين، بعرض الأفكار بدون عكس الجوانب السلبية المترتبة على هذه الأفكار، وعدم الأخذ في الاعتبار عوامل التغيير والمخاطر! وأفضل مثال على ذلك ماحصل من أفكار التحول الاستراتيجي لأرامكو السعودية، والذي بدأ في عام 2009 وصاحبه هدر مالي كبير جدا لأنه أتى بطريقة غير مدروسة لم تأخذ في الاعتبار الكثير من المتغيرات ... منها تقلبات أسعار النفط.

خاص_الفابيتا