مراجعة وتغيير برامج التوطين

15/11/2017 2
عبد الحميد العمري

أظهرت نتائج التجربة الطويلة لبرامج التوطين خلال الفترة 2011 ــ 2017، أنها فشلت في جوانب عديدة منها: خفض معدل البطالة، الذي ارتفع من مستوى 11.2 في المائة بنهاية 2010 إلى أن وصل بحلول منتصف العام الجاري إلى 12.8 في المائة، وأن جزءا لا يستهان به من زيادة توظيف المواطنين والمواطنات في منشآت القطاع الخاص، التي تحققت خلال تلك الفترة قد تلوث بـ"التوطين الوهمي"، في الوقت ذاته الذي ارتفع الاعتماد على العمالة الوافدة من نحو 6.3 مليون عامل بداية الفترة، إلى أن تخطى سقف 11.0 مليون عامل وافد، باستثناء العمالة المخالفة، وزيادة سيطرة العمالة الوافدة على المناصب القيادية والتنفيذية في القطاع الخاص، من نحو 10.4 في المائة منها بداية الفترة إلى أعلى من 40.5 في المائة بنهاية الفترة.

تكمن الصعوبة الأكبر التي قد لا ندرك أخطارها الآن ومستقبلا، أن ما سبق من نتائج لبرامج عديدة وواسعة للتوطين تزامنت مع أوضاع اقتصادية أفضل مقارنة بالأوضاع الراهنة، ورغم كل ذلك جاءت نتائجها المخيبة تماما للطموح على النحو الذي انتهت به إليه أعلاه! فكيف بها وهي تواجه خلال المرحلة الراهنة أوضاعا اقتصادية أكثر تحديات وصعوبات؟! على أنه من الجدير ذكره هنا؛ أن كثيرا من الأطروحات والآراء الناقدة لتلك البرامج، سبقت بتوقعها تحقق ما نشاهده اليوم على أرض الواقع، وحذرت في وقت مبكر من الوصول إلى المنعطف الراهن في سوق العمل، كان أول من حذر منها استراتيجية التوطين ذاتها، التي سبق تصميمها زمنيا البدء بتطبيق تلك البرامج للتوطين!

كل هذا يدفع بالضرورة القصوى والعاجلة وزارة العمل والأجهزة كافة ذات العلاقة، إلى أن تبدأ العمل برؤية جديدة تستهدف وضع برامج للتوطين تختلف تماما عما سبق، تأخذ بعين الاعتبار التحديات والتحولات الاقتصادية الراهنة ومستقبلا، وإلا فإنها ستصطدم بنتائج ستكون أقسى بكثير مما هو قائم الآن من نتائج مخيبة، ويصعب القول هنا بالعودة إلى المربع الأول ممثلا في استراتيجية التوطين الأقدم، لما طرأ في الوقت الراهن من تطورات وتغيرات هائلة على واقع سوق العمل المحلية، تختلف كثيرا عما كانت عليه أثناء تصميم تلك الاستراتيجية، ما يعني ضرورة إعادة رسم استراتيجية حديثة للتوطين.

حتى يتم الانتهاء من إعداد ورسم تلك الاستراتيجية الجديدة للتوطين، قد يكون مجديا جدا أن تتخذ وزارة العمل عددا من التدابير والإجراءات العاجلة "استثنائيا"، إلى أن ينتهي عملها من تصميم الاستراتيجية الجديدة للتوطين، تقوم هذه الإجراءات على ثلاث ركائز، هي كالتالي، الركيزة الأولى: ضرورة وضع برامج خاصة لتوطين "الوظائف القيادية والتنفيذية العليا" في منشآت القطاع الخاص، التي شهدت طوال فترة تطبيق برامج التوطين الأخيرة، زيادة سيطرة العمالة الوافدة على تلك المناصب القيادية والتنفيذية من 10.4 في المائة بداية الفترة إلى أن تجاوزت 40.5 في المائة نهاية الفترة، وتكمن أهمية تسليط اهتمام وتركيز وزارة العمل على هذه المناصب تحديدا؛ كونها المستويات الوظيفية التي تستحوذ على صنع القرار في منشآت القطاع الخاص، وكونها أيضا المستويات الأعلى دخلا مقارنة بغيرها من المستويات الوظيفية الأدنى تأثيرا ودخلا. ما يعني بدوره ضآلة وضعف إمكانية إنجاح أية سياسات أو برامج للتوطين، في ظل توسع تلك السيطرة للوافدين على قرارات القطاع الخاص، بل لقد تحولت تلك السيطرة المتزايدة للوافدين على المناصب التنفيذية والقيادية في القطاع، إلى عامل إفشال حقيقي لأية برامج للتوطين، ودليل ذلك قائم وفق الإحصاءات الرسمية، ولا حاجة إلى بذل جهود تذكر لأجل إثبات وجوده من عدمه! قياسا على ما أظهرته الإحصاءات من تراجع معدلات التوطين خلال العامين الأخيرين، مقابل زيادة الاستقدام وتوظيف العمالة الوافدة، وإفراط أغلب منشآت القطاع الخاص في الاعتماد على مواد نظام العمل الجديد "74، 75، 76، 77"، لإنهاء عقود العمالة الوطنية تحت ذريعة تقلص الإيرادات والمبيعات.

الركيزة الثانية: ضرورة التوسع في برامج التوطين المخصصة حسب القطاعات "كقطاع الاتصالات"، التي سيوفر العمل بها مرونة أكبر أمام وزارة العمل على مستوى سرعة التوطين، وسرعة القضاء على سيطرة العمالة الوافدة في تلك القطاعات القابلة للتوطين بالكامل خلال فترة وجيزة. ويؤمل أن يأتي تركيز وزارة العمل في هذا الخصوص على القطاعات الأكثر جاذبية والأعلى دخلا لدى العمالة الوطنية، وأغلبها يتركز في نشاط الخدمات "تجارة الجملة والمطاعم والفنادق، والنقل والاتصالات والتخزين، وخدمات المال والتأمين والعقارات وخدمات الأعمال، وخدمات جماعية وشخصية، ومنتجي الخدمات الحكومية"، حيث لم يتجاوز معدل التوطين في هذا النشاط بنهاية عام 2016 نسبة 22.9 في المائة فقط "876.8 ألف عامل سعودي"، مقابل توظيف أكثر من 2.94 مليون عامل وافد في هذا النشاط، ما يؤكد هنا أن وضع برامج مخصصة للتوطين، تتسم بسرعة أكبر مقارنة ببقية برامج التوطين، كفيل بالوصول بها إلى 50 في المائة أن تمتص كامل الباحثين عن فرص عمل من المواطنين والمواطنات، أخذا بالاعتبار أن تقترن ببرامج مكثفة للتدريب والتأهيل، التي يمكن تمويلها من متحصلات تلك الرسوم على العمالة الوافدة.

الركيزة الثالثة: تأسيس منظومة متكاملة إلكترونية متطورة، للتواصل المستمر بين كل من وزارة العمل والتنمية الاجتماعية ومديري الموارد البشرية والتوظيف "سعودي الجنسية" في منشآت القطاع الخاص، والبدء في المرحلة الأولى بالمنشآت العملاقة والكبيرة والمتوسطة، ولاحقا يمكن إضافة مديري الموارد البشرية في المنشآت الصغيرة والأصغر، على أن الحاجة في الوقت الراهن قد لا تستدعي إضافة المنشآت الأقل من المتوسطة لمنظومة التواصل، ذلك أن نجاحها سيكون كافيا جدا في تحقيق الغرض من إيجادها.

تقوم أبرز أهداف تأسيس هذه المنظومة للتواصل مع مديري الموارد البشرية والتوظيف، على ما يلي من مهام ومسؤوليات:

(1) منح مدير الموارد البشرية السعودي، مزيدا من القوة والاستقلالية في مجال عمله، من خلال تفعيل قوة تواصله مع الجهة الحكومية المسؤولة تنفيذا عن التوطين "وزارة العمل"، وبما يحد من السيطرة عليه من قبل من هم أعلى منه منصبا من المديرين والتنفيذيين الوافدين.

(2) إضافة هذه المنظومة المتطورة للتواصل المباشر والسريع جدا بين الجهة الرقابية والمنشآت، مزيدا من الفعالية والرقابة والمتابعة اللصيقة لعمل وزارة العمل، للتعرف فورا على أية معوقات قد تواجه جهود التوطين.

(3) الاستفادة القصوى من الرؤى والاقتراحات والملاحظات، التي ستصدر عن مديري الموارد البشرية السعوديين، وتكمن أهميتها في كونها آتية ممن هم على مماس قريب جدا من جهود التوطين، والتحديات الفعلية التي يواجهها كل منهم، حسب حجم ونوع نشاط المنشأة التي يعمل فيها. الذي سيوفر لوزارة العمل تدفقا ومخزونا هائلا من المعلومات والتطورات، حول ما يجري فعليا داخل أروقة القطاع الخاص، وهو ما سيخدمها كثيرا في مواجهة أدائها لمسؤولياتها ووظائفها على مستوى التوطين، والحد من البطالة بين المواطنين والمواطنات. والله ولي التوفيق.

نقلا عن الاقتصادية