هل هناك فصل تعسفي لموظفي ارامكو؟!

08/11/2017 19
د. فيصل مرزا

اتخذت "أرامكو السعودية" قرارا بالاستعانة بمصادر خارجية (Outsourcing) للقيام ببعض مهام قطاعات الأعمال التي تقوم بها، ولو قدر لهذا القرار أن يتم من خلال مسار واضح وعادل بدون المساس بكوادرنا الوطنية، لتلقاه الجميع بالقبول، لكن الأمر تم بمنهجية مجحفة في حق مجموعة من سواعد بناء هذا الوطن المعطاء، وبما لا يتلاءم مع عراقة شركة النفط العملاقة الحافل بالنجاحات المبهرة. هذا القرار الجائر عرقل مسيرة حياة أعداد من الموظفين السعوديين، باعتماد إجراءات نقل من وظيفة داخل الشركة بأمان وظيفي، إلى وظيفة خارج الشركة، أو بالاستغناء عن البعض. 

حصل هذا مع بعض موظفي الخدمات الطبية بارامكو بعد إبرامها شراكة مع "Johns Hopkins Hospital" للقيام بالخدمات الطبية، ولا شك أن هذا اسم له وزنه، وقد يعتبر إضافة مهمة، وقد تكون مكسبا، ولكن ليس على حساب رأس مال هذا الوطن (الخبرات والكفاءات الوطنية)، فقد تم فصل عدد من موظفي دائرة الخدمات الطبية وبشكل تعسفي، بحجة عدم قبولهم لعرض وظيفي في المشروع المشترك بين شركة "أرامكو السعودية" و"جونز هوبكنز الطبية". ولاشك أن هذا الفصل قد شكل صدمة، وخيبة أمل كبيرة لموظفي الخدمات الطبية بارامكو ناهيك عن جملة من الآثار السلبية التي طالت مناحي حياتهم الأسرية، ومرارة الإحساس بالظلم وعدم الاستقرار. 

والجدير بالذكر أن أرامكو كانت قد وعدت موظفيها في بداية انطلاق المشروع المشترك بينها وبين "جونز هوبكنز" في شهر فبراير من عام 2014 بتمكينهم من الخيار بين التوقيع للانتقال إلى "جونز هوبكنز" أو عدم التوقيع للبقاء ضمن أطقم ارامكو، إلا أنها وفي خطوة غير متوقعة قررت مؤخرا الاستغناء عن خدمات بعض ممن لم يقبل بعرض العمل المقدم له من الوافدة "جونز هوبكنز" وهذا ما عمق حجم المأساة على هذه الشريحة من موظفي عملاقنا الوطني.

وقد نتج عن هذا الحراك، أن الأغلبية انتقلت رغبة أو رهبة إلى "جونز هوبكنز"، وأن عددا اختار النجاة ببدنه بدل الاستسلام للمجهول فاستقال، بعد أن كان كادرا وطنيا متمكنا، واحترافيا، استثمرت به "أرامكو السعودية" وبذل لتأهيلهم مال ووقت وجهد عظيم بالبرامج التدريبية والابتعاث ... ولذلك من المؤلم أن نسمع مسؤولي أرامكو يتحدثون في المحافل الدولية عن الاستثمار في ثروتنا الغالية من الشباب السعودي من الطاقات والكوادر الوطنية، والأكثر إيلاما أن عددا من هذه الطاقات من خيرة أبناء الوطن فصلوا تعسفا من هذا الصرح!! بعد خدمة للوطن امتدت لعشرات السنوات في "أرامكو السعودية، وعدد آخر يتلقى الوعيد والتهديد بالفصل صباح مساء بنفس المصير.

ولا نريد هنا أن نخوض في الاجحاف الذي قابله الموظفين الذين قبلوا بالعرض على امتعاض والتحقوا للعمل مع "جونز هوبكنز"، ولكن سوف اسلط الضوء على أبرز صور الظلم في تطبيق هذا القرار، وهو إجبار جميع الموظفين بالادارة الطبية بغض النظر عن تخصصاتهم، سواء أكانت طبية أو غير طبية!! في هذه الخطوة لم يعد أمامهم سوى القبول بالأمر الواقع، فإما الانتقال للعمل في الشركة الوافدة "جونز هوبكنز" مع ما يحمل الانتقال من مغامرة، أو الفصل النهائي. ومن المعلوم أن خيار الانتقال لدوائر أخرى داخل أرامكو قد كان متاحا للجميع منذ ما يقارب العامين.

وعند إمعان النظر في هذه المسألة نجد أنه عند مجيء "جونز هوبكنز" قامت بتوزيع عروض وظيفية خاصة لكل موظف في الخدمات الطبية ب"أرامكو السعودية" كتخيير ظاهري بين التوقيع على العرض أو عدم التوقيع، غير أن هذه العقود جاءت متباينة بوضوح لكل موظف، فصلت العروض بطريقة مشبوهة لا تخضع لمعايير معروفة، لذلك الذين استلموا عروض وظيفية ولم يقبلوا بها منقسمين لقسمين:

القسم الأول:

قاده ما يراه من غموض، إلى القناعة بأن قبوله للانتقال، إنما هو رهن مستقبل مجهول، حيث أن هذه شركة وافدة عمر بقائها في المملكة مرهون بمزيج معقد من القرارات مما يعني بالضرورة أن الانتقال قد لايحمل أي طموح بأمان وظيفي، مما يفرض تساؤلا يتجلجل صداه، وماذا بعد "جونز هوبكنز"؟!!

القسم الآخر:

قارن بين العروض فوجد حقيقة صادمة، وهي أن العرض الوظيفي المقدم له غير عادل وغير مجزئ، بالإضافة على عدم تطبيق أقل المعاير المهنية في نقل الموظفين، من قبل هذه الشركة، جعلها بالنسبة لهم خيارا مستبعدا، خصوصا بعد أن تبين لهم أن العروض الوظيفية لم تكن مبنية على معايير ثابتة للكفاءة والخبرة!

ومما يجب أن يعلمه الجميع، أن موظفو الإدارة الطبية بارامكو الذين رفضوا العروض المقدمة لهم من "جونز هوبكنز" مورست عليهم أنواع من وسائل الضغط، تنوعت بين الترهيب بالفصل أو التأثير على قرارهم بالرفض، وقد وصل الحال ببعضهم إلى تسويق أن عدم قبول العروض الوظيفية لدى "جونز هوبكنز" يعرضها للسحب أو لتغيير لما هو أسوء! إمعاناً في يأسهم من انتظار أية حلول أكثر عدلا وإيجابية.

واقع مؤلم وغير مبرر في زمن الحزم والعزم وضرب الفساد بيد من حديد، فرضه هذا الموقف غير المتوقع من عملاقنا الوطني، إذ لايوجد لمثل هذه الفئة دعم قانوني، ماجعلهم يعيشون أوضاعا نفسية صعبة تحت ظل إشاعات وتلميحات ليس أسوأها الفصل! لذلك ذهب وفد من الموظفين المعنيين للإدارة العليا لارامكو، وقد قوبلت طلباتهم بالرفض القطعي، بالرغم من أن مطالبهم تتمحور حول تمديد إعارة موظفي "أرامكو" والبقاء الموظفين تابعين لها حتى تقاعدهم!!

وفي حديث ذي صلة، فإن التحول الاستراتيجي الذي تبنته أرامكو السعودية 2020-2009

أو مايسمى Acceleration Transformation Program  (ATP)،

قد اعطانا الكثير من الدروس المستفادة من الأخطاء، ولله حمد أن قيض لهذا الوطن أمر رشد في تصحيح اقتصادي شامل ضمن رؤية 2030، سوف يشمل الأخطاء التي نتجت عن "ATP" وغيرها وليس هنا المجال لذكرها، ولكن الجدير بالذكر أن جميع الموظفين الغير سعوديين والذين تم تعيينهم خلال فترة تنفيذ خطة التحول الاستراتيجي اكتشف انه لاحاجة لهم، لأنهم لايعملون في خطوط الإنتاج، لأن عملية توظيف هؤلاء الأجانب خلال فترة التحول الاستراتيجي لم تكن حسب المعايير والكفاءات المطلوبة حتى تتناسب مع متطلبات الشركة مقارنة بالشباب السعودي ذوي الكفاءات العالية. وأكبر دليل على فشل توظيف غير السعوديين أثناء فترة التحول الاستراتيجي، هو أنه في ديسمبر عام 2016 تم إنهاء خدمة عدد كبير منهم من جميع قطاعات الشركة بتسويات مكلفة جدا! وهذا يعكس نقاط الضعف التي تم الاعتماد عليها عند وضع الخطة وخلال تنفيذها مما أدى إلى تكدس وظيفي للأجانب تلك الحقبة!

إضافة لهذا الهدر المالي والبشري فقد تم إبرام عشرات العقود الاستشارية بمبالغ خيالية مع شركات استشارية عالمية والتي يعتمد مستشاروها على اسم الشركة (البراند نِيمْ) وليس على واقعية ومنطقية تناسب مخرجاتها لما تم تكليفها بالعمل على تنفيذه ... ومع ذلك تكبدت الشركة كل هذه الخسائر بدون أن يكشف الغطاء عنها، ولكن لايجب ان تتحمل كوادرنا الوطنية الآثار المباشرة وغير المباشرة للتوجه إلى المصادر الخارجية سواء في قطاع الخدمات الطبية أو أي قطاعات أخرى مقدمة عليها أرامكو السعودية! ولعله أصبح جليا انه لامقارنة للتحول الاستراتيجي لأرامكو 2020 الذي أثير حوله الكثير من التساؤلات ورؤية 2030 مع برنامجها للتحول الوطني الذي يصحح نفسه مع تطبيق حقيقي للمراقبة والمحاسبة والحوكمة والشفافية.

 

خاص_الفابيتا