مؤشرات وجود فساد في دورة المشتريات والعقود

27/09/2017 1
علاء أبونبعه

الفساد في دورة المشتريات والتعاقدات هو بلا شك من أسوأ أنواع المخاطر التي قد تصيب أي مؤسسة مهما كان نوعها، ‏وغالبًا ما تحظى قضايا الفساد من هذا النوع بنصيب وافر من اهتمام وسائل الإعلام، وتستحق مكافحته وإدارة مخاطره ‏اهتمام ووعي القيادة العليا للتأكد من فاعلية ومهنية القائمين على المشتريات والعقود في تلبية مختلف الاحتياجات بشكل ‏مستوف للشروط ولمعايير الجودة والوقتية المطلوبة.‏

عرفت جمعية فاحصي الاحتيال المعتمدين الأمريكية (ACFE) "الفساد" (Corruption) على أنه "أي فعل غير نظامي بهدف الحصول على منفعة". والفاسد في هذا النوع من الاحتيال قد يكون مالكاً للمؤسسة أو مديراً أو موظفاً فيها (في هذه الحالة يعتبر هذا الفساد نوع من أنواع الاحتيال الوظيفي)، وقد يكون الفاسد من خارج المؤسسة. ومن أشكال الفساد الشائعة: الرشوة (‏Bribery‏)، وتضارب المصالح (‏Conflict of Interest‏)، ‏والإكراميات غير القانونية (‏Illegal Gratuities‏)، والرشوة بالإكراه (‏Economic Extortion‏)، ‏والعمولة الخفية (‏Kickback‏)، وافتعال عمل مناقصة أو مزايدة (‏Bid Rigging‏).‏

في شهر إبريل في العام الماضي نشرت جمعية فاحصي الاحتيال المعتمدين الأمريكية تقريرها التاسع عن الاحتيال الوظيفي والذي يصدر كل سنتين. يعتبر هذا التقرير الأكبر في عدد الحالات التي تم دراستها، حيث تم دراسة 2410 حالة احتيال وظيفي حدثت في 114 دولة حول العالم. أبرز النتائج التي وردت في التقرير:

1) الفساد هو الأكثر شيوعا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

2) العاملين في دورة المشتريات والتعاقدات الأكثر عرضة للفساد (68.9% من الحالات المكتشفة).

3) يوجد العديد من حالات الفساد القائمة وغير مكتشفة، ولكن في الحالات المكتشفة تبين أنه في المتوسط بدأ الفساد منذ 18 شهر. يرجع السبب لطول الفترة (من بدايته حتى اكتشافه)؛ بذل الفاسدين جهد كبير في إخفاء العمليات الفاسدة. بحسب الدراسة كان من ‏أبرز الطرق التي استخدموها في الإخفاء هو التلاعب بالمستندات ذات العلاقة. 

4) ‏كلما ارتفع المستوى الوظيفي للفاسد تزداد خسائر المؤسسة وذلك لسبب بسيط وهو قدرته على تجاوز الأنظمة والصلاحيات.

5) متوسط خسائر المؤسسة عندما يكون الفاسد أحد المديرين التنفيذين أو الملاك يكون 703 ألف دولار أمريكي وكانت نسبتهم من الحالات المكتشفة 18.6%، وبلغ متوسط الخسائر 173 ألف دولار أمريكي عندما يكون الفاسد مديراً وكانت نسبتهم من الحالات المكتشفة 36.8%، و 65 ألف دولار أمريكي عندما يكون الفاسد مجرد موظف وكانت نسبتهم من الحالات المكتشفة 40.9%. 

المؤشرات التي قد تدل وجود فساد تسمى في علم الاحتيال "الرايات الحمراء" (Red Flags). "الراية الحمراء" بشكل عام هي تعبير يستخدم للدلالة على العديد من إشارات التنبيه والتحذير الصريحة والضمنية، وفي علم الاحتيال يتم استخدام هذا المصطلح للتعبير عن الأمور أو الأفعال التي اقترنت عبر الزمن بالسلوك الاحتيالي وتسترعي الانتباه والحذر والتقصي، ولا يعني وجود هذه المؤشرات بالضرورة الارتكاب الفعلي للاحتيال، ولكن عند ظهورها؛ يجب على المسؤولين في المؤسسة الانتباه لها، وعدم تجاهلها والتحقق بفطنة وذكاء منها لأنه ربما تكون المؤشر الأَول الذي سوف يؤدي في النهاية إلى اكتشاف ما تم إخفاؤه منذ فترات طويلة، ويجب إجراء تقصٍّ فوري عن الموظف الذي ظهرت عليه بعد أن يتجمع لدى المسؤول أدلة واقعية كافية توحي بوجود فساد.

وقد أشار الدكتور عدنان عابدين في كتابه الاحتيال المالي إلى: "أن الإلمام بعلامات ودلائل الاحتيال الوظيفي تساعد إلى حد كبير في تحري عمليات الاحتيال وتثبيتها بعد الكشف عنها، وعلى المؤسسة تثقيف موظفيها وزبائنها ومورديها وكل من تتعامل معه بكل أو بعض هذه الدلائل. هذا بالإضافة إلى أن العديد من هذه الدلائل لا تحتاج إلى خبير أو ممارس أو ملم بمبادئ المحاسبة أو مبادئ الإدارة، وكل ما يتطلبه الأمر هو أن يكون المرء منتبها، سريع الملاحظة، يقظاً لما يجري حوله، مدركاً لعواقب ونتائج تأثير عمليات الاحتيال على مؤسسته وعلى اقتصاد البلد ككل". 

بالعودة لدراسة الجمعية؛ كانت أبرز الأمور أو الأفعال التي اقترنت بحالات الفساد التي تورط فيها من لهم علاقة بدورة المشتريات والعقود في داخل المؤسسة:

1) وجود تفاوت كبير بين المستوى المعيشي ومستوى الدخل - 47.6% من الحالات المكتشفة.

2) سلوكياتهم في العمل كان فيها خبث أو كانوا لعوبين (Wheeler-dealer Attitude)  - 28% من الحالات المكتشفة.

3) يعانون من مشاكل وصعوبات مالية - 22% من الحالات المكتشفة.

4) عملهم يتميز بالمركزية تجنب التفويض بالرغم من الحاجة الملحة - 21% من الحالات المكتشفة.

5) كان لديهم علاقات غير طبيعية مع أحد الموردين - 21% من الحالات المكتشفة.

تجدر الإشارة هنا أنه في أغلب الأحيان اجتمع أكثر من مؤشر أو علامة في المحتال في نفس الوقت. ومن المؤشرات الأخرى التي قد تدل على وجود فساد في دورة المشتريات والعقود في أي مؤسسة حكومية أو خاصة أو غير هادفة للربح:

1) وجود عمليات شراء وعقود خدمات بدون وجود حاجة أو حتى بمقدار يتجاوز الحاجة، ووجود زيادة غير مبررة في المخزون أو زيادة في معدل دوران المخزون.

2) استمرار التعامل مع نفس المورد لفترة طويلة ودون دراسة الفرص البديلة بشكل مستمر في السوق (الاحتكار الغير مبرر).

3) عدم انسجام الموازنة المخصصة للمشتريات وعقود الخدمات مع الاحتياجات.

4) عدم كفاية التوصيف الفني لمختلف احتياجات المؤسسة، على سبيل المثال عدم اجراء الدراسات الواجبة قبل الطرح للمناقصة وعدم الدقة في وضع المواصفات والتصميمات والرسومات، أو صياغة مواصفات فنية معينة لتوجيه الترسية على جهة معينة، أو وجود متقدم معين ينجح دائماً في العطاءات/المناقصات المقدمة، وقلة عدد العروض المقدمة من الموردين، أو عدم استجابة بعض الموردين لطلب التقدم للمناقصة/العطاء.

5) آلية اتخاذ قرار الشراء أو التعاقد لم تتضمن تقييم الفرص البديلة، مثل بدائل التزويد: الصنع، الشراء، التأجير، التأجير المنتهي بالتملك، مقارنة الموردين والماركات،... إلخ، أو لا تتضمن تقييم بدائل الشراء: مناقصة أو ممارسة أو تكليف مباشر،... إلخ، وأحيانا عدم وجود أسس واضحة لتقييم العروض والبدائل.

6) عدم وجود ضوابط وأسس معتمدة لإضافة وحذف الموردين المعتمدين لدى المؤسسة، أو وضع اشتراطات معينة لاستبعاد فئة من الموردين مثل المغالاة في مبلغ التأمين المطلوب.

7) شروط التعاقد لا تلبي احتياجات المؤسسة بشكل ملائم أو واضح، أو عدم توافر الإجراءات القانونية التي تنظم كيفية متابعة الالتزام بتنفيذ العقود وتسوية المنازعات، أو عمل تغييرات لاحقة وغير منطقية على العقد الأصلي.

8) عدم الاستلام بالمواصفات المتعاقد عليها من نوعية وكمية وموعد وسعر.

9) التبكير بالسداد قبل التأكد من الاستلام بالشروط المناسبة، أو التبكير بالسداد بشكل لا يراعي أولويات السيولة المتاحة للمؤسسة، أو حتى التأخر بالسداد بشكل منفِّر للموردين ويدفعهم لتجنب التعاقد مرة أخرى مع المؤسسة، أو نشوب خلافات مالية/قضائية مع المورد، أو عدم الاستفادة من الخصومات التي يمنحها المورد عادة لعملائه.

10) وجود وثائق مفقودة، ووجود فوضى في إدارة المشتريات والعقود.

11) وجود موردين يتلقون مبالغ مستحقة على عناوين مختلفة، أو وجود أكثر من مورد مشترك في نفس العنوان، أو تطابق عنوان أحد الموردين مع عنوان أحد الموظفين.

12) وجود صلات اجتماعية بين أحد المسؤولين في المؤسسة وأحد الموردين.

13) تأخر قرار تجديد عقود التوريد والخدمات بشكل يضع المؤسسة تحت تهديد انقطاع الخدمة/السلعة، وبشكل يحرم المؤسسة من دراسة الفرص البديلة في السوق

14) في عمليات الشراء والتعاقدات الكبيرة عدم تحديد أسعار جميع البنود والاكتفاء بالتركيز على السعر الإجمالي. 

15) تعطيل ووضع العقبات في أي عملية تطوير في دورة/إدارة المشتريات.

16) كثرة الاستقالات في إدارة المشتريات والعقود.

17) عدم تعاون بعض موظفي إدارة المشتريات والعقود مع موظفي الإدارات الرقابية الداخلية (التدقيق الداخلي وإدارة المخاطر والامتثال، والجودة، والأمن) وموظفي الرقابة الخارجية (مدققي الحسابات، وديوان المحاسبة والتفتيش) أو إغراقهم بالمعلومات غير المفيدة وتضييع أوقاتهم بطلبات غير هامة وذات صلة.

18) منع مدير إدارة المشتريات والعقود مرؤوسيه من التعامل المباشر مع موظفي الإدارات الرقابية الداخلية وموظفي الرقابة الخارجية، أو الكرم والتواضع غير الطبيعيين في تعامل بعض موظفي إدارة المشتريات والعقود مع موظفي الإدارات الرقابية وموظفي الرقابة الخارجية.

لا يوجد مجتمع تسره رؤية الفساد في مؤسساته، ولمكافحة الفساد ليس مطلوبًا من القيادات العليا التشكيك بالموظفين، ‏ولكنها مطالبة بإرساء ثقافة الشفافية والمساءلة، فكلنا رعاة وكلنا مسؤولين عن رعيتنا. ‏

 
خاص_الفابيتا