لماذا يتعارض تقرير أوبك الشهري مع جهود تمديد الإتفاقية؟!

15/05/2017 1
د. فيصل مرزا

في الوقت الذي تتضافر فيه الجهود لتمديد اتفاق خفض الإنتاج لستة أشهر أخرى على الأقل، جاء تقرير منظمة أوبك الشهري مثيرا للجدل حيث جاء في فحواه ما يقلل من جدوى اتفاق خفض الإمدادات، بعد أن روج للزيادة في ارتفاع إنتاج النفط الصخري الأميركي بوتيرة أسرع ب 614 ألف برميل يوميا في 2017.

وبهذا تكون أوبك أقرت وهي تعلم أو لاتعلم بمحدودية النجاح الذي حققته جهود خفض الإنتاج التاريخي في توازن أسواق النفط خصوصا بعد التصريحات الكثيرة بتأجيل موعد توازن أسواق النفط والذي سمعنا عنها على مدى عام كامل! وبذلك فهم يدعمون منتقدي الاتفاق بضعف فاعليته خلال النصف الأول من عام 2017 بحجة تزامن تطبيق الاتفاقية مع فترة من انخفاض الطلب، وزيادة إنتاج بعض الدول من خارج أوبك!!

ولعلنا تابعنا وبإستغراب شديد توقيت هذه التوقعات التي تأتي قبيل تمديد اتفاقية خفض الإنتاج، حتى أن "السي أن ان" كتبت تعقيبا على التقرير الشهري الاخير: "أوبك تستجدي منتجي النفط الصخري أن يوقفوا الزيادة في الإنتاج".

هل يعقل أن تأتي توقعات أوبك أكبر من توقعات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية عن إنتاج النفط الصخري بزيادة قدرها 440 ألف برميل يوميا من 8.87 ملايين برميل يوميا في 2016 إلى 9.31 ملايين برميل يوميا في 2017!! ويأتي هذا التوقع المحير مضافا إلى أن أوبك رفعت توقعاتها لنمو إمدادات النفط من خارجها هذا العام إلى 950 ألف برميل يوميا من 580 ألف برميل يوميا في التوقع السابق، لتصبح تخمة المعروض مشكله حقيقيه وتشكل تحدي كبير امام اسواق النفط بواقع غير مسبوق!

ومما يزيد الأمر غرابة أن توقعات أوبك لنمو الطلب العالمي على النفط هذا العام قدرت ب  1.27 مليون برميل يوميا لتأتي أقل من توقعات وكالة الطاقة الدولية حيث توقعت أنها ستكون 1.3 مليون برميل يوميا. تقرير منظمة أوبك كان من المنتظر أن يأتي ليكون مصدر اطمئنان للأسواق، وليس بهذا الوضع المربك والذي أسهم في زيادة التوتر في أسواق النفط، بينما هناك عوامل كثير داعمة وأساسيات قوية في أسواق النفط، نذكر منها:

* السحوبات الكبيرة الأخيرة من المخزونات النفطية العالمية.

*مستويات الاسعار المشجعة لتعافي مستويات الطلب العالمي على النفط والذي لم ينعكس بعد على نمو الطلب في تقرير أوبك.

*توقعات بنقص الإمدادات من المكسيك وفنزويلا مما سيقلص المعروض العالمي.

* تجاهل تأثير انخفاض الأسعار منذ منتصف 2014 على استثمارات المنبع، وبالتالي نقص قادم لا محالة في الإمدادات العالمية للنفط.

* تجاهل أن الزيادة في الامدادات سوف تعوض بعض من نقص معدلات الهبوط الطبيعية عند تقادم حقول النفط التقليدية.

*تحركات أسعار النفط هذا العام في نطاق ضيق وهبوط خام برنت من ذروته هذا العام حين وصل قرابة 57 دولار ثم هبط دون الـ 50 دولار بقليل وهو ما يتعارض مع البيانات الاقتصادية الإيجابية، والنمو الاقتصادي على مدار العام، وبالتالي تأثيره على نمو الطلب العالمي على النفط.

*مخزونات النفط بدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والتي وصلت إلى 276 مليون برميل أعلى من متوسط خمس سنوات، بدون التعقيب ان بيئة أسعار النفط المنخفضة منذ منتصف عام 2014 شجعت على تعبئة وزيادة استيعاب تلك المخزونات حتى وان كان ذلك يعتبر مؤشر ارتفاع واضح، فإنه لا يعتبر فائضا في المعروض أو تخمة تؤثر على توازن السوق.

كل ذلك يدل على فهم خاطئ لقراءة ديناميكية أسواق النفط بل وحتى هذا الإيعاز الذي قد يربك الاسواق إلى أن الهدف من تمديد التخفيضات بعد الستة أشهر الأولى، كان لتخفيض المخزونات، وليس لدعم الأسعار، ولكن يجب أن نعي أن تخفيض الإنتاج قضى على التخمة في المعروض وهذا أكبر دليل على نجاح الاتفاقية التاريخية، لمصدري أوبك وخارجها بمستويات امتثال عالية لا مثيل لها تاريخيا.

فهل كانت أوبك تتوقع أنها بذلك تضغط بها على منتجي النفط ليتوقفوا عن الاستمرار في زيادة  الإنتاج؟! في الحقيقة أوبك ورغم تلقي أسعار النفط دعما بعد الهبوط الحاد والاكبر اسبوعيا هذا العام في المخزونات الأمريكية، ولكنها بهذا قلصت مكاسب أسعار النفط لأن زيادة الإمدادات من المنافسين تحد من المكاسب وتظهر تخمة في المخزونات، وبذلك تكون أوبك قد حققت ضغطا ولكن على أسعار النفط وليس على منتجي النفط الصخري! وحتى الارتفاع الأخير في الأسعار فإنها لم تتعدى المستويات قبل أسبوعين. اذا في الأمر تناقض واضح بين تقارير منظمة أوبك، وأهداف واستراتيجيات الدول الأعضاء، وهناك تخبط واضح في السياسة الإعلامية لأوبك، وسوء إدارة واضح في التعامل مع أساسيات ومعنويات أسواق النفط.

كما يعلم الجميع فإن التقلبات في أسعار النفط تعود إلى أسباب متنوعة، منها الواقع ومنها المتوقع، تأتي عن طريق حسابات النماذج الرقمية لمعطيات العرض والطلب في المدى القصير "سنة" أو المدى المتوسط "خمس سنوات"، وما يبنى على ذلك من تشاؤم أو تفاؤل بحسب تقارير تصدرها بين الوقت والآخر المنظمات الدولية بناء على هذه التوقعات.

وكما هو معلوم أيضا فإن منظمة أوبك كمنظمة للدول المصدرة للنفط تعتمد على صادراتها النفطية بالدرجة الأولى لتحقيق النمو الاقتصادي لأعضائها. فهي كيان يسعى إلى تحقيق أكبر قدر من الضرورات اللازمة لملاءمة الأسواق للصادرات النفطية، بما يحقق أهداف الدول الأعضاء، عبر سياسات وخطط واستراتيجيات قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل، تعتمد على دراسات معمقة في كل المسارات التي تؤثر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في استقرار أسواق النفط، بما يضمن مصالح دول الإنتاج بالدرجة الأولى، واستقرار الأسواق للدول المستهلكة بالدرجة الثانية.

أما وكالة الطاقة الدولية والتي تمثل الدول المستهلكة للنفط، ومنظمة أوبك يفترض فيهما العمل بكل حيادية، كل على حدة، منفردة ومنفصلة في عملها عن الأخرى، لأن مصالح كل جهة "كمنتج ومستهلك" تختلف في غالبها عن مصالح الأخرى، فعندما تقدم أوبك تقرير تدعو إلى توازن العرض والطلب حفاظا على مستوى الأسعار عند حد يحقق لها الربح المرضي، نتوقع أن تتقدم وكالة الطاقة الدولية بتوقعات ودراسات تدعو إلى انخفاض الأسعار. ولاحظنا في الشهور السابقة بعض التوافق بين منظمة دول الإنتاج، ومنظري دول الاستهلاك، مما يثير تساؤلا عن النماذج الرقمية المستخدمة؟! وهل هناك تأثير يدوي على المدخلات والمخرجات؟!

الجدير بالذكر هنا أن تقرير أوبك يصدر شهريا في زمن قريب من توقيت إصدار التقرير الشهري لوكالة الطاقة الدولية، التي بدورها توقعت أيضا استمرار زيادة المعروض خلال النصف الثاني من 2017، بالتزامن مع ارتفاع المخزون وزيادة الإمدادات، ما يعني أن أسواق النفط ستظل متخمة بالمعروض خلال النصف الثاني من 2017 على الأقل. الغريب في الأمر التركيز من المنظمة والوكالة كلاهما في هذه الفترة على إقناع الجميع بتفاقم توقعات تخمة المعروض في الأسواق العالمية!

اما اذا كان خطأ، فالخطأ وارد في هذه التوقعات، والأمثلة كثيرة منها ما حصل في توقعات عام 2007 عندما تسببت في ارتفاع شديد في أسعار النفط، بسبب توقع وكالة الطاقة الدولية الخاطئ في سبتمبر 2006 بأن الإنتاج خارج أوبك سيزيد بمقدار 1.8 مليون برميل يوميا في عام 2007، وبعد أن خفضت أوبك الإنتاج بالكمية نفسها تقريبا 1.7 مليون برميل يوميا مع بداية عام 2007 تفاديا لانهيار أسعار النفط. هذا التوقع الذي تبين أنه كان خطأ فادحا حيث كانت الزيادة الفعلية وحسب وكالة الطاقة حينها هو 500 ألف برميل فقط، أي بفرق 1.3 مليون برميل يوميا أقل مما توقعت الوكالة.

ولكن عندما يأتي تقرير أوبك الشهري ليعزز التوتر في أسواق النفط، وربما الفوضى في الأسعار، عندها نتساءل: لمصلحة من يمكن أن يجير استمرار اجترار التوقعات المربكة للأسواق، بدل التأني وتبني السياسات الإعلامية الواضحة، التي تخدم مصالح الدول الأعضاء؟! خصوصا في وقت حرج كهذا أحوج ما تكون فيه الأسواق ودول الإنتاج إلى الاستقرار. وبماذا يمكن أن يفسر اختيار هذا التوقيت بالتحديد قبيل تمديد اتفاق خفض الإنتاج وفي أوج الجهود المبذولة لتحقيق ذلك.

في المحصلة نخلص إلى أن التقرير الشهري لمنظمة أوبك يجب أن يراجع، ويمحص من قبل المحافظين قبيل نشره لنتأكد انه يتماشى مع أهداف واستراتيجيات الدول الأعضاء.

خاص_الفابيتا