مشكلة صناديق التقاعد

20/04/2017 31
عمر المنيع

الغاية من إنشاء صناديق التقاعد تكمن في إدارة العملية التكافلية من خلال استقطاع الاشتراكات من العاملين وصرفها على المتقاعدين بالإضافة إلى استثمار الفائض لإعادة صرفه للمتقاعدين في المستقبل وتحقيق ذلك بأعلى كفاءة ممكنة تضمن استدامة الملاءة المالية للصندوق، وبالتالي فإن وجود أي خلل في تلك العملية كالعجز المالي سينتج عنه خسارة أحد الطرفين (المتقاعدين حاليا أو متقاعدي المستقبل).

هذه الخسارة قد تكون بشكل مباشر كزيادة الاستقطاعات على المشتركين وتقليل معاشات المستفيدين أو بشكل غير مباشر كأن تقوم الحكومة - الضامن للصناديق -  بتغطية العجز عن طريق أموال مواطنيها ويكون ذلك على حساب الإنفاق على التعليم والصحة وغيرها من الخدمات. ففي جميع الحالات سيتحمل المواطن تبعات أي خلل في إدارة العملية التأمينية للصناديق.

في الوقت الحالي لا تعاني صناديق التقاعد المحلية من عجز نقدي، ولكنها تعاني من عجز اكتواري ، والذي يعني أن القيمة الحالية للتدفقات النقدية المستقبلية الداخلة إلى الصندوق أقل من القيمة الحالية للتدفقات النقدية المستقبلية الخارجة منه.

تعتمد صناديق التقاعد والتأمينات على المعادلات الإكتوارية من أجل التنبؤ بمعدلات التدفقات النقدية الداخلة والخارجة في المستقبل، وذلك من خلال النظر إلى العديد من العوامل كمتوسط الأعمار ومعدل الخصوبة والهرم السكاني ومعدلات التغير في الرواتب وغيرها من العوامل.

السبب الرئيسي وراء العجز الاكتواري لدينا هو التغير الديموغرافي للسكان. عند صدور نظام التقاعد في عام 1973 كان معدل الخصوبة (متوسط عدد المواليد لكل امرأة) 6.61 مرات بينما انخفض المعدل ليصبح 2.4 مرة حسب آخر إحصاء.

أي أن المرأة السعودية في السابق كانت تلد 6.6 أبناء في المتوسط، بينما انخفض الآن ليصبح 2.4 مما سيلحق أثرا كبيرا على صناديق التقاعد. يتمثل الأثر في أن عدد المشتركين مقابل المتقاعدين سينخفض في المستقبل، وهذا ما أشار إليه تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حيث ذكر أن نسبة من أعمارهم فوق ٦٥ سنة إلى القوى العاملة سترتفع بشكل كبير من 4.9% في 2015 إلى 50.30% في 2075، مما يشير إلى انخفاض كبير جدا في الاشتراكات مقابل ارتفاع المعاشات. وعلى افتراض أن الجميع سيعمل، فإن عدد المشتركين مقابل كل متقاعد سينخفض من 20 في 2015 ليصبح 2 فقط في 2075 مما يعني وجود عجز مالي كبير في الصندوق.

إضافة إلى ذلك فإن العامل الآخر المؤثر في استدامة الصندوق هو ارتفاع متوسط الأعمار. عند صدور النظام في عام ١٩٧٣ كان متوسط الأعمار يبلغ ٥٦ سنة، في حين أن المعدل ارتفع ليصبح حاليا ٧٦ سنة. يعتبر ارتفاع متوسط الأعمار أمر إيجابي، إذ يشير إلى التحسن الكبير في الرعاية الصحية والمستوى المعيشي، ولكن يجب أن لا نغفل أن لذلك أثر سلبي جانبي على صناديق التقاعد.

عند النظر إلى الجدول المرفق في الأسفل نرى أن نسبة المعاش من آخر مرتب قبل التقاعد في المملكة مرتفعة لمن أكمل كامل المدة النظامية حيث يبلغ ١٠٠٪ في حين أن هذه النسبة منخفضة في الدول الأخرى.

ففي ألمانيا مثلا، تبلغ الاستقطاعات الشهرية ١٨,٩٪ وهذا مقارب جدا لمستوى الاستقطاعات المحلية (الاستقطاع الشهري في ألمانيا أعلى من ذلك ولكني قمت بحساب الاستقطاع المرتبط بالمعاش التقاعدي فقط دون حساب استقطاعات التأمين الصحي عند التقاعد والتأمين ضد الإصابة أو التعطل) في حين أن المتقاعد الألماني يحصل على ٣٩٪ فقط من آخر راتب عند إكماله كامل الخدمة (من عمر ٢٠ سنة وحتى ٦٥ سنة).

هذا لا يعني بالضرورة أن الصندوق السعودي أكثر كرمًا من نظيره الألماني؛ ولكن الفرق يكمن في الفروقات الديموغرافية بين البلدين فمتوسط الأعمار ومعدل الخصوبة في السعودية - عند صدور النظام - تسمح لصناديقنا بتقديم هذا المستوى من التعويضات. إلا أن التغير المستمر في الخصائص الديموغرافية السعودية يشكل تحديا كبيرًا لاستدامة الصندوق بنظامه الحالي. وعند مقارنة مدخلات المعادلة الإكتوارية لصناديق التقاعد في الجدول المرفق نستطيع القول بأن ملاءة الصندوق السعودي في مستوى أقل من غيره من صناديق الدول الأخرى.

على الجانب الآخر تواجه التأمينات تحديات مختلفة كالسعودة الوهمية، إذ أن المشترك الوهمي يدفع لسنوات عديدة مبالغ اشتراكات متدنية جدًا سيتم التعويض عنها عند التقاعد برواتب عالية. لحل هذه المشكلة، سبق أن وافق مجلس الشورى على تعديل ثلاثة فقرات من نظام التأمينات تتعلق بملاحقة ومعاقبة مشتركي التوظيف الوهمي. إلا أنني أظن أن التوظيف الوهمي سيستمر في ظل الوضع الحالي لسوق العمل وبقاء برنامج نطاقات على صورته الحالية. ولذلك، يجب المسارعة بإيجاد الحلول الجذرية للتوطين الوهمي.

من المفترض أن تسارع المؤسسات ذات العلاقة برفع درجة الشفافية ونشر الأرقام التفصيلية والحسابات الختامية لصناديق التقاعد وخصوصا تلك الدراسات الإكتوارية التي تقوم بها الجهات المستقلة ليتعرف أصحاب المصلحة (المشتركون والمتقاعدون) على مدى ملاءة تلك الصناديق، وليتمكن المراقبون من مساندة الصناديق عبر النقد المستمر وطرح الحلول.

الجدير بالذكر أن معظم صناديق التقاعد العالمية تعاني من عجوزات اكتوارية ولكن هذا لا يقلل من شأنه إذ أن حدة العجز تختلف بين الصناديق، ولذلك يجب أن لا نتذرع بذلك عن التأخر في التصحيح إذ أن المطلوب هو إدارة العجز وليس إلغاؤه بالكامل، إذ لم أطلع على تجربة استطاعت تحقيق ذلك.

ختاماً، إن المبادرة بالحلول مطلب ضروري، وقابل للتحقيق بسبب الوضع الحالي الجيد للصناديق، كما أنها ستجنبنا إنعكاسات التعديلات الإضطرارية التي عانت منها بعض الدول التي اختارت تأجيل المواجهة، مثل بوليفيا واليونان. اعتقد بأن الحلول لن تخرج خارج إطار المعادلة الاكتوارية ومدخلاتها كما هو موضح في الجدول المرفق.

ملاحظات تتعلق بالجدول المرفق:

١) قمت بحساب السن النظامي للتقاعد في السعودية ٥٨ سنة وذلك لتعديل الرواتب من السنة الهجرية إلى القمرية مع استمرار حساب السن النظامي بالتاريخ الهجري وبذلك تكون عدد دفعات المشترك مساوية لدفعات ٥٨ سنة.

٢) معظم الدول تضع استقطاعات شهرية لأمور مختلفة يستفيد منها الموظف عند تقاعده كالتأمين الصحي وغيره واستقطاعات أخرى كالتأمين ضد الإصابة أو التعطل، لم أقم باحتساب تلك الاستقطاعات وإنما اعتمدت فقط على الاستقطاع المرتبط بالمعاش التقاعدي، إضافة الاستقطاعات الأخرى سيرفع من نسبة الاستقطاع بشكل كبير حيث يرتفع في ايطاليا على سبيل المثال من 33% إلى 45%.

٣) العائد الحقيقي لاستثمارات الصندوق هو عائد استثمارات الصندوق بعد خصم التضخم في عام ٢٠١٣.

خاص_الفابيتا