ضريبة الدخل الجديدة .... وتخصيص أرامكو!

28/03/2017 4
د. فيصل مرزا

لا يشك احد في أهمية "أرامكو السعودية" في كل حركة أو سكون في منطقتنا اليوم، بل وفي كثير من اقتصاديات العالم. البارحة صدر أمر ملكي كريم بتغيير سعر ضريبة الدخل على الوعاء الضريبي للمكلف الذي يعمل في إنتاج الزيت والمواد الهيدروكربونية في المملكة العربية السعودية، وهذا الأمر الملكي جاء في وقت مهم للغاية قبل طرح جزء من أرامكو للاكتتاب مطلع 2018.

الشركات المكلفة هي شركات الإنتاج صاحبة الامتياز: "أرامكو السعودية" و"شيفرون" و"شركة أرامكو لأعمال الخليج"، في السابق كانت وزارة المالية تفرض على هذه الشركات ضريبة بمقدار %85 في حين أنها تكتفي بفرض %20 Corporate Tax على شركات الخدمات النفطية، وبهذا تنطبق عليها الضرائب دون أن ينطبق عليها ما جاء في المرسوم الملكي المشار إليه أعلاه. وأما الشركات الوطنية فستطالب فقط بدفع %2.5 وهو مقدرا الزكاة المقرر شرعا.

شركة "شيفرون السعودية" في المنطقة المحايدة (الوفرة)، و"شركة أرامكو لأعمال الخليج" (الخفجي)، في الغالب تأتيان ضمن نطاق شريحة ضريبة دخل %85، والتي تنطبق على من لا تزيد استثماراته عن 225 مليار ريال، وأما "أرامكو السعودية" فإنها تقع ضمن شريحة ضريبة دخل %50 لأنها تدخل ضمن الاستثمار المحدد لهذه الضريبة وهو 375 مليار ريال وأكثر.

الوعاء الضريبي هو: الدخل الخاضع للضريبة، وهو إجمالي الإيرادات ناقص التكاليف، اذا بصورة عامة (مع اكتتاب %5) تأخذ الدولة ما نسبته %95 من الإيرادات، وأما المتبقي %5 فهو للمساهمين، وهي نسبة جيدة، ولكن لابد من تشجيع المساهمين بتطوير آليات التعامل والعلاقة للتوافق مع المعدلات العالمية.

ولمن يعتقد أن تخفيض الوعاء الضريبي سيقلص من عائداتنا النفطية، نقول: إن العائد الإجمالي للدولة من هذه الخطوة سيكون مرددوه على الخزينة العامة أكبر وبالتالي فلن يقلص أرباح الدولة بل على العكس، فهي بهذه الخطوة تكون متناغمة مع التوجه العام لرؤية 2030 .

اما إجمالي الاستثمارات الرأسمالية فهو الذي يحدد النسبة التي تقتطع من الربح، والاستثمارات الرأسمالية هي: إجمالي القيمة المتراكمة للأصول الثابتة من أملاك ومعدات وآلات وتجهيزات وغير ذلك، والأصول غير الملموسة بما فيها تكاليف عمليات الكشف والتنقيب، وذلك قبل حسم الاستهلاك والإطفاء، وبهذا لا يحتسب عامل إهلاك الأصول الثابتة depreciation ولا الإطفاء وهو (التكاليف الغير ملموسة) مع أهمية حسابه لمعرفة الشريحة الضريبية التي تقع ضمنها الشركات المستثمرة.

الوعاء الضريبي الجديد بنسبة %50 سيكون مربحا جدا للمستثمرين الذين يستعدون حاليا لهذا الاكتتاب، كأحد أكبر الاكتتابات في التاريخ. ومعدل الضريبة الجديد سيجعل "أرامكو السعودية" متماشية مع المعايير الدولية، مما سيحقق حصة بيع أكبر جاذبية للمستثمرين قبل الطرح مطلع 2018. ويشكل الاكتتاب العام هذا جزء من خطة رؤية 2030، لإنشاء أكبر صندوق سيادي في العالم، كما سيسهم بشكل مباشر في تقليل اعتماد الاقتصاد السعودي على العائدات النفطية، ويزيد من فرص تعزيز الإيرادات غير النفطية.

خطوات واعدة ورغم ذلك لم تمنع من أن تطفو على السطح مخاوف من بعض الاقتصاديين أقدر أنها مشروعة تنبع من وطنية، وتتركز أهم هذه المخاوف، حول السيادة القانونية، وأن الثروات السيادية يجب ألا يدخلها العنصر الأجنبي، وأن أي مخاطر يجب أن تدار بتحفظ شديد، هذه المخاوف وغيرها تعززت أكثر بعد الإعلان عن أن "أرامكو السعودية"سوف تستهدف البورصات العالمية لطرح أسهمها للاكتتاب .. مع الإدراج في أكثر من بورصة في آن واحد، وما تزامن مع كل ذلك من تقييمات استباقية مجحفة وغير عادله ما جعل البعض يطرح بجدية، العدول عن هذه الخطوة، مالم تكن القيمة السوقية لأرامكو منصفة...

خيار الخصخصة مرحليا بات ضروريا لأرامكو استجابة لمتطلبات التحول الوطني 2020، ورؤية 2030 ولتحسين الأداء والكفاءة، ورفع الربحية والشفافية، والاستدامة، ورفع مستوى الحوكمة، لضمان تخفيض الفساد والهدر المالي. وعند الحديث عن الحوكمة كأحد المحاسن المتحققة من خصخصة أرامكو السعودية، يجب أن نشيد بهذه الخطوة كأحد أذكى التحركات على مدى تاريخ صناعة النفط في السعودية، للحفاظ على مصدر الدخل الأساسي وحمايته من الهدر في الإنفاق والفساد.

ولعل المشاريع التشغيلية التي تولتها "أرامكو" أثناء فترة ارتفاع أسعار النفط مابين: 2010 ومنتصف 2014 أكبر دليل يثبت أهمية هذا الطرح، لأن "أرامكو" أنهكت بمشاريع تشغيلية خارج تخصصها أفقدتها آلية قياس النجاح؟! فمعلوم أن مالا يمكن قياسه لايمكن إدارته. وهل يمكن اعتبار مجرد ضخ المليارات على مشاريع أرامكو التشغيلية هو سبب نجاح بعضها؟! اعتقد ان الجواب واضح ولسنا بحاجة لضرب أمثلة، ورغم ذلك يجب أن يستقر في الأذهان أن أكبر عامل كان يضمن نجاح مشاريع المنبع والاستثمارات النفطية هو الامتياز.

وكما أسلفت فإن طرح "أرامكو" للمساهمة طريق مباشر لرفع مستوى الرقابة عليها وضمان الشفافية وارتفاع الربحية بفضل ارتفاع مستوى الحوكمة، بل إن ارتفاع مستوى الحوكمة هو بذاته استثمار يؤدي إلى ارتفاع العائد على رأس المال، وذلك بفضل انخفاض الفساد، وانخفاض الهدر، وارتفاع الكفاءة، والديمومة بإذن الله وخلق بيئة منضبطة بشكل مستدام. تغير كهذا ضمان لزيادة الكفاءة، لذلك نرى أن الشركات تلتزم بإستراتيجيات حد التكاليف، وتحسين الأداء، ورفع الربحية حتى مع النظرة المستقبلية التفاؤلية، لأن فترة الخيارات المحيرة قد ولى ويجب التعامل بكل حزم مع المتغيرات الحالية.

خاص_الفابيتا