ماذا فعل مؤتمر سيرا الأمريكي بأسعار النفط؟!

13/03/2017 3
د. فيصل مرزا

يتساءل الكل، ما الذي حل بأسواق النفط؟ وكيف تهبط قرابة 5 دولارات في أسبوع واحد، وبتراجع  إلى أقل المستويات في الثلاثة الاشهر الأخيرة؟!

رغم قسوة وغرابة الحدث، إلا أن الجواب سيكون واضحا، عندما نعلم أن هذا الهبوط الحاد في الأسعار جاء مباشرة بعد مؤتمر "سيرا"، الذي نجح في أن يقنع العالم بالتراجع عن مستوى الثقة الذي أبداه تجاه منتجي اوبك خلال الفترة الماضية وبشكل مستفز ومربك جدا، وبدون التصريح المباشر بأية خطوط عريضة عدا خطين اثنين وظف كل تصريحات المؤتمر لخدمتها:

الأول: الترويج المستمر أن هناك نمو قوي قادم في النفط الصخري الأمريكى حتى وإن لم نراه على أرض الواقع حتى مع زيادة الحفارات إلى أعلى مستوياتها منذ سبتمبر 2015 ولكن الزيادة في الإنتاج مازالت متواضعه!

الثاني: الترويج لضعف قوة اتفاقية أوبك، التي يروجون أنها لم تستطع الكبح من جماح الزيادة المستمرة لمخزونات النفط الأمريكية على مدى شهرين، بحيث تمكنت من الوصول إلى مستويات ارتفاع قياسية!!

وبالتأكيد لم يوفق وزراء منظمة أوبك عند حضورهم هذا المؤتمر ولم ينجحوا في التأثير على هذا التوجه، حيث كان اجتماعهم مع المنصة الخاطئة، والتي تروج لكل ما يخدم المستهلكين، بعيدا عن مراعاة لوضع الأسواق، والدول المنتجة. ولذلك نجح مؤتمر "سيرا" السنوي في هيوستن، ومع الأسف في إحداث تعثر في أسعار النفط ما أدى إلى هبوط حاد، رغم أساسيات السوق القوية.

ومن البديهي أن يؤثر هذا التجمع الذي يروج لنمو النفط الصخري الأمريكي، ويروج أيضا إلى أن اتفاقية خفض إنتاج أوبك للأعضاء داخلها وخارجها التاريخية، لم تستطع أن تؤثر على مخزونات النفط الأمريكية، والتي وصلت إلى مستويات ارتفاع قياسية، وبالتالي لم تستطع إلى الآن بلوغ القدر الذي تتمكن فيه من فرض توازن بين العرض والطلب.

ومن المؤسف أيضا، أن بعد كل النجاح الذي حققته أوبك في الأربعة أشهر الماضية من الاتفاقيات وما بذل في سبيل ذلك من جهود، تأتي قيادات هذه الاتفاقية ليبادروا باجتماعات مع منتجي النفط الصخري الأمريكي، مع كل ما يقومون به من منافسة وصلت لحد كسر العظم مع أوبك ... فهل كان من المتوقع أن تسفر هذه الاجتماعات التي قررت أصلا للقضاء على جهود أوبك، والتصريحات الغير الموفقة، عن خفض إنتاج النفط الصخري؟! وهل كان قبول المشاركة في أعطاء زخم لهذه الاجتماعات مجرد مجاملة لتجمع لم ولن يخدم مصالحنا؟!!

مؤتمر "سيرا" السنوي في هيوستن كشف عن تناقضات وسعي واضح، لقلب مساعي أوبك، في إعادة التوازن إلى أسواق النفط، وبالمقابل فقد كان المؤتمر ترويجا قويا لازدهار النفط الصخري. فهل التفاؤل المفرط والغير آني بشأن توقعات إنتاج النفط الصخري، والاعتراف بالارتفاع -الغير مبرر- لمخزونات النفط الأمريكية وأنها لا تتراجع، وإن حصل فليس بالسرعة المؤثرة .... هل هذا سينقذ أسعار النفط؟!

الجواب الواضح، هو العكس تماما، فإن هذه التصريحات وكما هو متوقع، قد حفزت اللاعبين الكبار في صناعة النفط مثل "اكسون موبيل" و"شيفرون" و"كونوكو فيليبس" بضخ أموال جديدة للاستثمار في النفط الصخري، حيث يعتقدون أنها يمكن أن تكون حجر الزاوية في محافظهم الاستثمارية.

ونرى كيف أن وكالة الطاقة الدولية تصرح بأن أمريكا تقف على عتبة المرحلة الثانية من ثورة النفط الصخري، ما سيؤثر على أسواق النفط العالمية في المستقبل، هذا بالإضافة إلى زيادة الإنتاج إجمالا في كندا والبرازيل وبلدان أخرى، ونرى التطبيل الصارخ والواضح في تصريحات الأمين العام لمنظمة أوبك، والذي بادر بتبني الشراكات والاجتماعات مع منتجي النفط الصخري الأمريكي ليصرح بدون خجل، أنه يخشى أن يؤدي تحسن الأسعار، إلى عودة النفط الصخري الأميركي بقوة، ومن ثم ظهور فائض جديد في السوق يضر بالأسعار مجددا!! فهل هذه تصريحات معقولة، من قيادة منظمة الدول المصدرة للنفط؟! ما هذا الوهن؟!

هل يعقل أن يروج منتجو دول أوبك إلى أن المخزونات تتحرك ببطء أكثر مما كان متوقعا، وأن إنتاج النفط الصخري الأمريكي يمكن مرة أخرى أن يسرع من نموه أكثر مما كان يعتقد؟! خصوصا إذا عرف أن ترويج هذه التصريحات، هو ما أثر سلبا على معنويات السوق، فهبطت الأسعار بهذا القدر بين عشية وضحاها، بعد أن كانت الأسعار تتجه للارتفاع، وهذا ما يؤكده عدم وجود أي سبب واضح لهذا الهبوط. 

وفي النهاية نهيب بوزراء منظمة أوبك الحرص الشديد بعدم الإكثار من التصريحات، لأن من هذه التصريحات ما يوظف توظيفا سلبيا. ولا بد من التعامل باحترافية أكبر واستراتيجية اشمل مع التصريحات من حيث كثرتها وأماكن التصريح بها ومحتواها، فلاشك أن كثرة هذه التصريحات يضر ولا تخدم أهداف المنظمة ولا الاتفاقية، وذلك لما هو معلوم من حساسية أسواق النفط وكثرة تقلبها، ولن يستطيع أحد مواكبتها بكثرة التصريحات.

ولا يجب أن يغيب عن الأذهان لحظة، أن النفط الصخري منافس قوي وقد أزيح، عنه دور المنتج المرجح والذي رجع إلى أوبك التي تولت دفة القيادة مجددا لتوازن اسواق النفط. اذا كيف يقبل وبعد أن حسمت المنافسة لصالح أوبك بتخفيض الإنتاج، والعودة إلى المركز القيادي الفاعل الذي كانت تنتظره أسواق النفط، أن يأتي قيادات الدول المنتجة للنفط لمثل هذا المؤتمر لتقر بسيادة النفط الصخري، ودون أي مسوغ واضح للتراجع عن مواقع القيادة للمنافس؟!!

واخيرا، من غير المستغرب أن مؤتمر "سيرا" يريد أن تتأخر أسعار النفط، كضربة مزدوجة كما كان السبب الرئيسي في تأخر الأبحاث في مركز كابسارك!!

خاص_الفابيتا