مؤشرات فساد الإدارة العليا

01/03/2017 3
علاء أبونبعه

عرفت جمعية فاحصي الاحتيال المعتمدين الأمريكية (ACFE) الاحتيال الوظيفي (Occupational Fraud) على أنه "استغلال المنصب الوظيفي في المؤسسة للإثراء الشخصي من خلال تعمد سوء استخدام أو استغلال موارد أو أصول المؤسسة". فالمُحتال في هذا النوع من الاحتيال قد يكون مالكاً للمؤسسة أو مديراً أو موظفاً فيها.

المؤشرات التي قد تدل وجود احتيال وظيفي تسمى في علم الاحتيال الرايات الحمراء (Red Flags). الراية الحمراء بشكل عام هي تعبير يستخدم للدلالة على العديد من إشارات التنبيه والتحذير الصريحة والضمنية، وفي علم الاحتيال يتم استخدام هذا المصطلح للتعبير عن الأمور أو الأفعال التي اقترنت عبر الزمن بالسلوك الاحتيالي وتسترعي الانتباه والحذر والتقصي، ولا يعني وجود هذه المؤشرات بالضرورة الارتكاب الفعلي للاحتيال، ولكن عند ظهورها؛ يجب على المسؤولين في المؤسسة الانتباه لها، وعدم تجاهلها والتحقق بفطنة وذكاء منها لأنه ربما تكون المؤشر الأَول الذي سوف يؤدي في النهاية إلى اكتشاف ما تم إخفاؤه منذ فترات طويلة، ويجب إجراء تقصٍّ فوري عن الموظف الذي ظهرت عليه بعد أن يتجمع لدى المسؤول أدلة واقعية كافية توحي بوجود احتيال. 

في شهر إبريل في العام الماضي نشرت جمعية فاحصي الاحتيال المعتمدين الأمريكية تقريرها التاسع عن الاحتيال الوظيفي والذي يصدر كل سنتين. يعتبر هذا التقرير الأكبر في عدد الحالات التي تم دراستها، حيث تم دراسة 2410 حالة احتيال وظيفي حدثت في 114 دولة حول العالم. وقدرت الجمعية أن المؤسسات تخسر سنوياً ما يعادل 5% من مجمل ايراداتها نتيجة الاحتيال. أشارت الدراسة إلى أن ضعف أنظمة الرقابة الداخلية كان السبب الرئيس لحدوث 29.3% من حالات الاحتيال، والقدرة على تجاوز أنظمة الرقابة الداخلية أتاحت الفرصة لحدوث 20% منها.

أشارت الدراسة كذلك أنه كلما ارتفع المستوى الوظيفي للمحتال تزداد خسائر الشركة وذلك لسبب بسيط وهو قدرته على تجاوز الأنظمة والصلاحيات، حيث بلغ متوسط الخسائر عندما يكون المحتال أحد المديرين التنفيذين أو الملاك يكون 703 ألف دولار أمريكي وكانت نسبتهم من الحالات المكتشفة 18.6%، وبلغ متوسط الخسائر 173 ألف دولار أمريكي عندما يكون المحتال مديراً (36.8% من الحالات المكتشفة)، و 65 ألف دولار أمريكي عندما يكون المحتال مجرد موظف (40.9% من الحالات المكتشفة). 

ورد في تقرير الجمعية الثامن والذي نشر في عام 2014 أنه كان متوسط خسائر الشركة المالية من احتيالات التنفيذيين والملاك 500,000 دولار أمريكي (18.6% من الحالات المكتشفة)، والمديرين 130,000 دولار أمريكي (36.2% من الحالات المكتشفة)، والموظفين 75,000 دولار أمريكي (42% من الحالات المكتشفة).

وفي دراسة أخرى قامت شركة الاستشارات العالمية كي بي إم جي (KPMG) في عام 2011 والتي تم فيها دراسة 348 حالة احتيال وظيفي حدثت في 69 دولة، تبين أن 60% من المحتالين كانو يعملون في الإدارة التنفيذية العليا.

بالعودة للدراسة الأخيرة للجمعية كانت أبرز الأمور أو الأفعال التي اقترنت بالسلوك الاحتيالي للمديرين التنفيذين والملاك:

1)وجود تفاوت كبير بين المستوى المعيشي ومستوى الدخل - 47.6% من الحالات المكتشفة.

2)سلوكياتهم في العمل خبيثة أو لعوبين (Wheeler-dealer Attitude)  - 28% من الحالات المكتشفة.

3)مشاكل وصعوبات مالية - 22% من الحالات المكتشفة.

4)المركزية تجنب التفويض بالرغم من الحاجة الملحة - 21% من الحالات المكتشفة.

5)وجود علاقة غير طبيعية مع أحد العملاء أو الموردين - 21% من الحالات المكتشفة.

تجدر الإشارة هنا أنه في أغلب الأحيان اجتمع أكثر من مؤشر أو علامة في المحتال في نفس الوقت. ومن المؤشرات الأخرى التي قد تدل على فساد الإدارة العليا في أي مؤسسة حكومية أو خاصة:

1)حرصها غير المبرر في التدخل في تعيين موظفي إدارة التدقيق الداخلي‬ و/أو إدارة الرقابة المالية، وحرصها الشديد على نقل موظفين ضعاف الشخصية أو أصحاب الولاء المطلق لهم إلى إدارة التدقيق الداخلي‬ و/أو إدارة الرقابة المالية.‬‬‬‬‬

2)التجسس على الموظفين وإطلاق العنان لناقلي أخبار الموظفين وترقيتهم بناء على حسن أدائهم في ذلك والتستر على أخطائهم. 

3)إذلال مرؤوسيهم بحجة توظيفهم وإبقائهم على رأس عملهم.

4)تعظيم أخطاء الموظفين البسيطة وإذلالهم بها والشعور بالسعادة الكبيرة عند اكتشاف أخطاء الآخرين.

5)تعطيل ووضع العقبات في أي عملية تطوير، والعمل على اضعاف البيئة الرقابية من خلال الحرص على عدم توثيق سياسات وإجراءات العمل والصلاحيات المالية والإدارية، والعمل على عدم تفعيل الفصل بين المهام الوظيفية خلال منح الصلاحيات أو الاحتفاظ بكافة الصلاحيات المالية والإدارية وعدم تفويضها، والذي يخدم مصالحهم الشخصية.

6)الاعتماد بشكل كبير على الأوامر الشفوية والغضب الشديد عند توثيق الأوامر والتوجيهات من خلال محاضر الاجتماعات أو البريد الالكتروني.

7)كثرة الاستقالات في الإدارات التابعة لها.

8)عدم التعاون مع موظفي الإدارات الرقابية الداخلية (التدقيق الداخلي وإدارة المخاطر والامتثال، والجودة، والأمن) وموظفي الرقابة الخارجية (مدققي الحسابات، وديوان المحاسبة والتفتيش) أو إغراقهم بالمعلومات غير المفيدة وتضييع أوقاتهم بطلبات غير هامة وذات صلة.

9)منع مرؤوسيهم من التعامل المباشر مع موظفي الإدارات الرقابية الداخلية وموظفي الرقابة الخارجية.

10)الكرم والتواضع غير الطبيعيين مع موظفي الإدارات الرقابية وموظفي الرقابة الخارجية وعمل عكس ذلك مع مرؤوسيهم.

11)التقليل من شان تقارير وتوصيات الإدارات الرقابية.

12)غياب الشفافية والتلاعب بالتقارير والبيانات المقدمة لمجلس الإدارة.

وقد أشار الدكتور عدنان عابدين في كتابه الاحتيال المالي إلى: "أن الإلمام بعلامات ودلائل الاحتيال الوظيفي تساعد إلى حد كبير في تحري عمليات الاحتيال وتثبيتها بعد الكشف عنها، وعلى المؤسسة تثقيف موظفيها وزبائنها ومورديها وكل من تتعامل معه بكل أو بعض هذه الدلائل.

هذا بالإضافة إلى أن العديد من هذه الدلائل لا تحتاج إلى خبير أو ممارس أو ملم بمبادئ المحاسبة أو مبادئ الإدارة، وكل ما يتطلبه الأمر هو أن يكون المرء منتبها، سريع الملاحظة، يقظاً لما يجري حوله، مدركاً لعواقب ونتائج تأثير عمليات الاحتيال على مؤسسته وعلى اقتصاد البلد ككل". وبالطبع هذا الأمر يحتاج إلى تثقيف الإنسان الذي يتعامل مع المؤسسة ودعم ضمير هذا الانسان لكي تكون عنده الجرأة الكافية للإبلاغ عما رآه أو يشك فيه بكل نزاهة وصدق. وتجدر الإشارة هنا إلى ضرورة توفير التوجيه اللازم والمساندة للموظفين الذين يقومون بالتبليغ.

خاص_الفابيتا