أعطينا ارامكو امتياز النفط ... فلماذا نعطيها امتياز الشمس؟!

09/02/2017 15
د. فيصل مرزا

رؤية 2030 أيقضت مسؤولي الطاقة والكهرباء من سبات عميق لتخبرهم أن الشمس التي تشرق كل صباح هي أحد نعم الله علينا كثاني أغنى بلد بالإشعاع الشمسي، وإن لم تكن هناك جهة مستغلة تماما بالطاقة المتجددة  عن أي مركزية وبيروقراطية تقوم بدور حيادي بوضع التشريعات التي تخضع الجميع بما فيهم العملاقين (أرامكو السعودية وشركة الكهرباء السعودية) إلى منافسة عادلة مع القطاع الخاص فإننا لن نحقق أحلامنا بإيجاد سوق تنافسي يعتمد على الربحية وليس على تركيز السلطات، والمركزية، والبيروقراطية.  

من السهل أن يتم الإعلان عن تنفيذ مشاريع الطاقة المتجددة بالمليارات واستقطاب المستثمرين الأجانب والذين يأتون ومعهم حتى ملعقة الشاي التي تذيب السكر، لكن من الصعب أن يتم الإعلان على أن مشاريع الطاقة المتجددة سوف يتم تصنيعها محليا، وأن نسبة السعودة سوف تكون متوافقة مع إعداد العاطلين عن العمل.

النمو في الطاقة المتجددة في الوظائف والتصنيع يفوق ثلاث مرات النمو في الوظائف للطاقة في الوقود الأحفوري. وكنا نأمل أن يفتح باب التنافس في توظيف مئات الآف في مجال الطاقة المتجددة لتحقيق رؤية 2030، لكن ما نراه من اعلانات مشاريع الطاقة المتجددة بالمليارات لا يوجد لها أي أمل بتصنيع تلك الألواح الشمسية والتقنية المتاحة للجميع في الوطن، وإنما استمرار النمط القديم بإعلان مليارات الريالات في مشاريع جديدة غير مجدية كما في السابق إلا بحرق المزيد من الوقود ذو القيمة السوقية المرتفعة من أجل إنتاج طاقة كهربائية رخيصة الثمن.

ايجاد الوظائف لالاف الخريجين هو  محور مهم للتوجه في اخضاع الجميع لمنافسه عادله لمستقبل واعد لتوطين هذي الصناعه السهله كما هي نجحت في كثير من البلدان من ايجاد فرص وظيفيه فاقت معدلات نموها في الصناعات الاخرى.

جاء المؤتمر الصحفي الأخير لوزارة الطاقة مؤكدا على ان أرامكو السعودية حاليا تمر بمرحلة تحول استراتيجي للدخول في مشاريع الطاقة المتجددة، مؤكدا ايضا على ما قرأناه مؤخرا ان أرامكو السعودية استعانت بثلاثة مصارف عالمية من أجل تقديم المشورة لها في الاستثمار في مشاريع للطاقة المتجددة، حيث استعانت بمصرف جي بي مورجان الأمريكي واتش اس بي سي البريطاني ومصرف كريدي سويس الفرنسي من أجل تقييم استحواذت تنفذها أرامكو لجلب تقنيات الطاقة المتجددة، مع أن دورها الاستثماري سيتمثل في البحث عن استثمارات وتكوين صفقات ناجحة في هذا المجال عن طريق الاستحواذ على شركات أو جزء من شركات في قطاع الطاقة الشمسية، لأن البنوك تبحث عن فوائدها الخاصة فقط لتحقق أرباحا. 

المؤتمر الصحفي الأخير لوزارة الطاقة أعلن فيه ايضا عن إنشاء مكتب متخصص لإدارة مشاريع قطاع الطاقة المتجددة بعضوية أرامكو السعودية وشركة الكهرباء وهيئة تنظيم الكهرباء، والذي أتى محققا لأسوأ مخاوف القطاع الخاص بأن يتم الالتفاف على رؤية المملكة 2030 والتي ركيزتها هي المنافسة والربحية كما نصت الرؤية ان يتصدر القطاع الخاص %65 من الناتج المحلي مع إتاحة الفرصة للمراقبة والمحاسبة، بعيدا عن تقاطع الفوائد واهمال الحس التجاري.

وبالتالي فهناك رغبه واضحة تميل لأرامكو وشركة الكهرباء، بحكم النفوذ والموارد، وبالتالي فالقطاع الخاص قد لا يصله الا الفتات! هناك فرق بين تحويلهم من شركة نفط وكهرباء ذات اعباء الى شركات طاقه كثيرة الايقاع بعيدة عن الاعباء، وبين مشروع الطاقة الاقتصادي المؤمل. 

اذا اردنا ان تنجح الطاقه المتجدده في السعوديه فيجب اخضاع العملاقين ارامكو السعودية وشركة الكهرباء السعودية الى تشريعات تتساوى فيها مع منافسة القطاع الخاص، لأنه من التناقض ان تكون شركه متخصصه في انتاج الوقود الأحفوري أن تتجه الى الطاقه المتجددة وهو النقيض من عملها، لنكن اكثر وضوحا فالطاقه المتجددة تعتمد على انتاج الكهرباء كمنتج نهائي لها والنفط ينتهي به الى وقود ومشتقات ومنتجات بتروكيمائية.

هناك تنافس كبير بين ارامكو السعودية وشركة الكهرباء السعودية في  الاستحواذ على الطاقه المتجدده يفهمها المتابع بالاشاره، في حين تبرز ارامكو نفسها كفنان شامل للاستحواذ على صلاحيات الطاقه المتجدده، حتى لو كان تركيز المسؤوليات لدى جهة واحده فإنه قد يؤدي في النهاية الى فساد صعب مراقبته.

هناك سؤال مهم يجب طرحه، هل نجحت أرامكو في المشاريع التشغيلية؟!

وحتى ان افترضنا نجاح المشاريع التشغيلية ... أين هي آلية قياس ذلك النجاح؟! ضخ المليارات على مشاريع أرامكو التشغيلية هو سبب نجاح بعضها! ولا نريد هنا أن نضرب الأمثلة ولا ننسى ان اكبر عامل لنجاح مشاريع المنبع والاستثمارات النفطيه سببه الامتياز. أرامكو متخصصة في إنتاج النفط وتصديرة، اذا لابد ان تركز على ذلك مع التوسع دوليا، أما أن تجمع بين المتناقضتين وهي الطاقة المتجددة والطاقة الكربونية فهذا قمة التناقض، لأننا لا نستطيع إعطاء الطاقة النظيفة لنفس منتج الوقود الاحفوري!

ولذلك فإن استحواذ أرامكو السعودية وشركة الكهرباء على مجال الطاقة المتجددة سوف يزيد من تركيز المسؤوليات والبيروقراطية وسوف يبعدهما مرة اخرى عن المراقبة والمحاسبة وهذا مخالف لروح رؤية 2030 والتي نصت على وجود منافسة عادلة في السوق، هذا بالإضافة إلى محور ثاني مهم وهو إعلان وزارة الطاقة بإنشاء لجنة/ مكتب يضم أرامكو وشركة الكهرباء وهيئة تنظيم الكهرباء، والتي من المفترض أن تقوم بعمل تشريعات لتنظيم عمل المنافسات في مجال الطاقة المتجددة وبالتالي تخضع كلا من أرامكو والكهرباء إلى منافسة القطاع الخاص، إذا هذه اللجنة قد تكون عبارة عن إعطاء هيئة تنظيم الكهرباء قطعة من كعكة الطاقة المتجددة لإسكاتها.

كنا نأمل من هيئة تنظيم الكهرباء أن تقوم بدورها في فرض تشريعات جديدة تحكم التنافس في قطاع الطاقة المتجددة واخضاع الجميع بما فيهم أرامكو وشركة الكهرباء إلى مبدأ التنافس والذي أقرته رؤية 2030، فنجد انه تم إشراك الهيئة في المكتب المعلن داخل وزارة الطاقة، مقابل حصة من كعكة الطاقة المتجددة لمشاركة الكهرباء وارامكو في وضع مناقصات العقود واختيار المنافسين والأسعار. 

شركة الكهرباء السعودية وعلى مدى 15 عام من الوعود بتركيب العدادات الإلكترونية في المنازل، لم تنفذ وعودها إلى الآن، ولم يستطيع المواطن محاسبتهم على ذلك. احتكار قطاع الطاقة الكهربائية من قبل شركة الكهرباء السعودية له أثر سلبي على الوطن باستنزاف مقدراته من النفط والغاز. على مدى سنوات مضت الى اليوم استفادة الشركة من الامتيازات الحكومية ولم تبادر بتنويع مصادر انتاج الطاقة الكهربائية من المصادر المتجددة رغم فائدتها الاقتصادية.

أين هما شركتا أرامكو والكهرباء في السنين الماضية من الاستثمار في مجال الطاقة المتجددة؟ أين هما من التنافس في توظيف مئات الآلاف في مجال الطاقة المتجددة؟! ولدينا آلاف الخريجين في الهندسة الكهربائية من جامعات عالمية سوف يكون لهم أهمية بالغة في العمل في مجال الطاقة المتجددة في المملكة!

الاستهلاك العالي للوقود من شركة الكهرباء بإسعار متدنية دفع أرامكو كمنتج مستقل للمحاولة بأخذ الامتياز واستلام ملف الطاقة المتجددة محاولة بحل المشكلة التي تسببت بها الشركة السعودية للكهرباء. لكن لا يمكن لوطننا أن يكون مستقبل الطاقة به مرهون بالصراع الدائر بين هاتين الشركتين. وفي النهاية نخلص ان الحل الامثل لكي نصل الى حتى اكثر من 9.5 غيغاواط من الكهرباء من الطاقة المتجددة قريبا، هو ان تكون الطاقة المتجددة مستغلة تماما بعيدا عن أي مركزية وبيروقراطية متعلقة بالكيانات الأخرى.

خاص_الفابيتا