أوبرة الصناعة (Uber-ization of Manufacturing)

14/12/2016 1
د. محمد بن ابراهيم الماجد

كتبت عدة مقالات سابقة لرفع مستوى الوعي بالفرص العظيمة التي تتيحها الثورة الصناعية الرابعة لنا وأننا يجب أن نستوعب أن ما قد يراه البعض تحديات كبيرة هي في حقيقة الأمر عوامل إيجابية.

إن المؤشرات الاقتصادية المستقبلية تؤكد السعي العالمي الى تغيير خارطة التصنيع الحالية نحو التصنيع بحسب الطلب والتخصيص.

حيث نرى مثلا تبني الشركات الصناعية الكبرى للطباعة الثلاثية بأنواعها والانخفاض المستمر في تكاليفها ووصولها الى خطوط الإنتاج الوافر.

إن الطبيعية الرقمية لمعظم المعدات الصناعية الحديثة توفر إمكانيات جديدة لم تكن متوفرة من قبل. وتمهد لنقلة نوعية بعيدا عن مفاهيم المصانع العملاقة نحو المصانع الصغيرة والمتوزعة. 

إن مثل هذا التحول قد يتيح لنا تأسيس صناعة محلية تتفق مع طبيعة البيئة المحلية وأعرافها من خلال تمكين اعداد كبيرة من المواطنين بالمشاركة في الصناعة المتقدمة بأسرع وتيرة ممكنة على نحو ما فعلته التقنية في الخدمات المختلفة ومنها النقل العام (مثلا شركة أوبر Uber).

فهل بالإمكان تطبيق المفهوم في قطاع الصناعة فتتم مشاركة الجميع في توفير الأصول الصناعية بينما تدير شركة تقنية متخصصة ما يتم تصنيعه وتوزيعه؟

إن أوبرة (أو تأبير) الصناعة مستوحاة من التجربة الاستثنائية لشركة (أوبر) بإشراك ملاك السيارات في منظومة سيارات الأجرة وهو الذي لم يكن ممكنا قبل انتشار الهواتف الذكية وإمكانية الوصول الى تقنيات المواقع كخرائط قوقل بتكاليف معقولة.

إن التقنيات المتوفرة في الصناعة حاليا كافية لتطبيق المفهوم نفسه في عدد من الصناعات. فيقوم الراغب بالمشاركة في الصناعة بشراء المعدات الصناعية أو استئجارها وتجهيزها ومن ثم ربطها بما يمكن أن يطلق عليه (السحابة الوطنية الصناعية National Industrial Cloud) فيستلم طلبات التصنيع من خلال هذه المنظومة الرقمية ويسلم المنتجات الى شركة نقل مخصصة لذلك.

إن مفهوم (أشبك وأصنع) (Plug and Manufacture) أصبح ممكنا الأن ويوفر حلولا لدول المنطقة لتأسيس المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في القطاع الصناعي.

ويكون دور الدولة في توفير التمويل والدعم التقني والتدريب حتى تصل الصناعة لمرحلة نضج ومنافسة.

وستحتاج المنظومة الى توفير (تمويل عالي) و(حوكمة مرنة) لتنفيذ الفكرة والتي سوف تجعل المنطقة تسير بسرعة نحو مجتمع صناعي كبير. 

ويمكن للقارئ أن يتصور مثلا عائلة تشتري جهاز تصنيع صغير (تصنيع قطع غيار لطب الأسنان مثلا) بتمويل يتم ترتيبه (بدعم من هيئة توليد الوظائف ومكافحة البطالة أو الهيئة العامة للمنشآت المتوسطة والصغيرة) ثم تشبكها في منزلها بالسحابة الهندسية والصناعية الوطنية التي تشرف عليها جهة متخصصة كمدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية.

وتحصل العائلة على التدريب والدعم الاداري والهندسي والتمويلي وكذلك على الطلب التجاري من خلال هذه السحابة. انه عالم محلي خالص لن تستطيع أي دولة في العالم ان تنافسه ولأسباب مختلفة يمكن توضيحها.

وستوفر مثل هذه الاستراتيجية الصناعية المبتكرة أهدافا واضحة لمنظومة التعليم والتدريب لم تكن من قبل متوفرة وسيكون من السهل تحديد التخصصات الممكنة لتطبيق الاستراتيجية الصناعية وما يتعلق بها من مناشط اقتصادية أخرى.

وسيكون لزاما على الجهات التعليمية والتدريبية الانخراط في المنظومة الصناعية من خلال إعادة تأهيل معاملها وورشها بما ينسجم مع هذه التوجهات.

ويلتحق المواطن الخليجي بالمنظومة وهو لم يزل على مقاعد الدراسة والتدريب. حيث سيحصل على التعليم والتدريب الموجه والمتوافق مع سوق العمل من خلال معامل وورش منتجة ومرتبطة فعليا بالسحابة الوطنية الصناعية.

إن من شأن استراتيجية واسعة النطاق مبنية على التقنيات العالية أن تجعل من البطالة العالية بين الإناث قوة اقتصادية كبرى في المنطقة. كما أنها ستجعل تنمية كافة المناطق الإدارية ممكنة وعاجلة وأن تسمح بإعادة توزيع السكان توزيعا يستغل الموارد الوطنية في المناطق النائية ويخفف من الأضرار البيئية العالية في المدن المكتظة بالسكان. 

بقي أن أطمئن القارئ أن الخطوات العملية الأولى لهذا التوجه قد بدأت فعليا في المملكة وسأناقشها في مقالات قادمة بإذن الله.

خاص_الفابيتا